الاخبار الفنية والثقافية

«مطر»… أحمد حسين الغامدي يستعيد ذاكرة الماء والطين في أتيليه جدة

عنوان – جدة – فوزية القثمي:

يستضيف أتيليه جدة للفنون الجميلة معرض «مطر» للفنان التشكيلي السعودي أحمد حسين الغامدي، وهو معرضه الشخصي الحادي عشر. ويقدّم المعرض تجربة بصرية ومفاهيمية تتأمل المطر بوصفه ذاكرةً للخلق والحياة والعودة، وتبحث في أثره غير المرئي في الأرض والإنسان.

وعن فكرته، يقول الغامدي: «هذه اللوحات لا ترسم المطر كما تراه العين، بل كما يغيب عن النظر. أردت أن ألتقط المعجزة في اللامرئي: لحظة الخلق والاندثار التي لا يمكن تثبيتها، لكن أثرها يبقى شاهدًا. هنا يصبح المطر حضورًا في الغياب، وغيابًا لا يخلو من الحضور».

الطين والماء

يضع الفنان الطين والماء في قلب تجربة «مطر»، ويرى أن رسم الطين لا يقتصر على تصوير مادته، بل يتناول الخلق بين حالتين: الذوبان والتماسك، والروح والجسد، والبداية والنهاية. ويصف الطين بأنه «نقطة الوعي في دورة الماء»، مضيفًا: «كل لوحة مطر هي طينٌ يعيد كتابة الوجود بعد كل غيث. فاللون هو الطين، والماء هو الذاكرة، والفرشاة هي الريح التي تعيد تشكيل الأرض من جديد».

وفي فلسفة الماء والخلق والسقوط والحياة والعودة، ينطلق الغامدي من أن كل شيء يبدأ بالماء؛ فهو الذاكرة الأولى للكون، والمرآة التي انبثق منها الضوء، والروح التي سرت في الطين ليكون الخلق. وحين يسقط الماء، بحسب رؤيته، لا يكون سقوطه عبثًا، بل عودةً إلى الأصل واستكمالًا لرحلته من الغيم إلى الأرض، ومن العلو إلى العمق، في دورة لا تعرف بدايةً ولا نهاية.

ويقرأ الفنان السقوط بوصفه تحققًا للحياة في صورتها الملموسة، وفي كل سقوط ولادة جديدة. ثم تأتي الحياة، نبتةً أو كائنًا أو إنسانًا، حاملةً أثر الماء الأول، قبل أن تعود إلى الطين، إلى الأصل الذي خرجت منه. ويختصر هذه الفكرة بقوله: «كل وجود هو عودة، وكل موت هو بداية سقوط آخر نحو الحياة».

صوت المطر ورائحته

ويمتد تأمل المعرض إلى فلسفة الصوت في المطر؛ فالصوت، في رؤية الفنان، هو ما يبقى حين يختفي الشكل، ويصبح المطر لغة الطبيعة الأولى وإيقاظًا داخليًا يشبه نبض الأرض حين تستقبل الحياة.

ولكل سطحٍ صوتٌ خاص حين يلامسه المطر: فعلى الزجاج يبدو كأن الزمن يكتب رسائل سرية، وعلى التراب كأن الأرض تتنفس بعد صمت طويل، وعلى الماء يتداخل الأصل والظل، فيما تذكّر قطراته على الصخر بالثبات وسط الذوبان. ويقول الغامدي إن صوت المطر لا يُسمع فحسب، بل يُشعر به في الصدر، مضيفًا: «صوت المطر لا يأتي من السماء… بل من الأرض وهي تستجيب». وهو، كما يصفه، الذاكرة السمعية للخلق؛ لذلك حين نصغي إليه، لا نصغي إلى الماء وحده، بل إلى أنفسنا في لحظة تذكّر قديمة.

أما رائحة المطر، فيتناولها المعرض بوصفها ذاكرة الأرض حين تستيقظ. فعندما تلامس أول قطرة التراب الجاف، تبدأ الأرض حديثها بالرائحة، وتخرج أنفاسها القديمة من بين ذرات الغبار، كأنها تتذكر نفسها بعد غياب. ويصف الفنان تلك اللحظة بأنها «البعث الحسي»، حيث تتحول الأرض من صمت رملي إلى كيان حي يعلن عودته إلى التنفس.

وفي فلسفة المعنى، يرى الغامدي أن رائحة المطر هي ذاكرته الطيفية: لا تُرى ولا تُمسك، لكنها تسكن في الداخل، وتعبر من المادة إلى الإحساس، ومن الطبيعة إلى الذاكرة. إنها لغة الأرض القديمة، لغة لا تُقرأ بل تُشمّ، وتذكّر بأن الحياة أثرٌ في الهواء كما هي لونٌ وصوت.

تجربة فنية ممتدة منذ 1995

أحمد حسين الغامدي فنان بصري سعودي، تتنوع ممارسته بين الرسم والتجريد والفن المفاهيمي والتجهيز في الفراغ. بدأت مشاركاته في المعارض الجماعية عام 1995، ونشأ في قرية بني جرة بمنطقة الباحة، حيث أسهمت الطبيعة الجبلية بما تحمله من صخور وأمطار وضباب في تشكيل ذاكرته البصرية. وتستكشف أعماله العلاقة بين الذاكرة والهوية والطبيعة والزمن والأثر، كما يتعامل مع الخامة بوصفها عنصرًا في تكوين المعنى، فتتغير الوسائط في أعماله بين الرسم والصخر والماء والصوت والضوء وفقًا للفكرة.

وتشمل معارضه الشخصية، بحسب التسلسل الزمني: المعرض الشخصي الأول في القنصلية الفرنسية بجدة عام 2003؛ و**«كفن»** في جدة عام 2009؛ و**«صباح الخير فرنسا»** في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، عام 2009؛ و**«تمهّل (SLOW)»** في داما آرت بجدة عام 2011؛ و**«رسالة»** في القنصلية الفرنسية بجدة عام 2012؛ و**«قسطاس»** في معرض الفروسية عام 2014؛ و**«قسطاس»** في داما آرت بجدة عام 2015؛ و**«الجودي»** في داما آرت بجدة عام 2018؛ و**«وَقَر»** في داما آرت بجدة عام 2021؛ و**«ألف»** في داما آرت بجدة عام 2023؛ وصولًا إلى معرض «مطر» في أتيليه جدة للفنون الجميلة عام 2026.

كما شارك في معارض ثنائية، من بينها «البعد الثالث» مع الفنان جيلان الغامدي في جدة عام 2002، ومعرض ثنائي مع الفنان محمد البندوري في مدريد، إسبانيا، عام 2008. ومن مشاركاته المختارة صالون الشباب في القاهرة عام 2003، ومعرض وزارة الثقافة والإعلام في بكين، الصين، والأسبوع الثقافي السعودي في الإسكندرية، مصر، إضافةً إلى مشاركات فنية في سلطنة عُمان ومعارض جماعية في مدن المملكة منذ عام 1995.

مشروعات فنية وعضويات

تتصل تجربة «مطر» لعام 2026 بذاكرة الطفولة وعلاقة الطبيعة بالخوف والدهشة والأثر. وسبقها مشروع «ألف» عام 2023، وهو مشروع مفاهيمي عن البدايات والمعرفة واللغة، استخدم فيه الفنان النحت والضوء والتجهيز في الفراغ. أما «وَقَر»، المستمر منذ 2014، فيبحث في علاقة الماء بالصخر والصوت والذاكرة، فيما تناول مشروع «الجودي» عام 2018 الصخور بوصفها حوامل للذاكرة واللون، ودرس «قسطاس» خلال 2014–2015 مفاهيم القياس والاتزان والمعايير الإنسانية. كما تناول «تمهّل» عام 2011 الإنسان والحضور البصري، و**«كفن» عام 2009** الفقد والغياب والذاكرة.

والغامدي عضو مؤسس وعضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية «جسفت»، وشغل منصب مدير صالة داما آرت بجدة نحو 13 عامًا، كما عمل أمينًا عامًا سابقًا لبيت الفنانين التشكيليين، وعضوًا في لجنة الفنون التشكيلية بالغرفة التجارية. وهو عضو في جمعية الثقافة والفنون بجدة والباحة، وعضو جماعة ألوان.

ويختزل الفنان علاقته بالفن بقوله: «الفن بالنسبة لي هو الطريق التي أفهم بها الحياة».

ويفتح معرض «مطر» نافذةً للتأمل في الماء والطين والصوت والرائحة، وفي ما تتركه الطبيعة من آثار تتجاوز حدود المشهد المرئي. ما أجمل المطر ورائحته حين يلامس الماء الطين؛ لحظة تستيقظ فيها ذاكرة الأرض، ويعيد الفنان أحمد حسين الغامدي تصويرها بلغة تشكيلية تستدعي الحياة والعودة. مع أطيب التمنيات للفنان بالتوفيق والسداد .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى