الإعلام والتطوع.. شراكة تصنع الأثر

✍️ رشيد محمد آل جلي – كاتب سعودي :
التطوع مشاركة إنسانية فاعلة، تسهم في الارتقاء بالنفس أولاً إلى مصاف الكرم والنبل، من خلال بذل الجهد والمال والوقت ابتغاء مرضاة الله تعالى، ثم في بناء مجتمع تسوده المودة، وتترسخ فيه المحبة والتراحم والتعاون.
ويُعدّ العمل التطوعي أحد روافد التنمية في أي مجتمع، ومؤشراً حضارياً يعكس مستوى الوعي والمسؤولية الاجتماعية لدى أفراده ومؤسساته. وعندما تلتقي المسؤولية المجتمعية مع ثقافة التطوع والإعلام، يتحقق نجاح تتجلى ثماره في إبراز الجوانب الإنسانية، وصناعة الأثر الإيجابي، وتعزيز قيمة العطاء بما يحقق الغاية الأسمى من مفهوم التطوع.
ولا شك أن العالم المتحضر يعوّل كثيراً على الفرق التطوعية والجمعيات غير الربحية في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية والعلاجية والنفسية والأمنية، وغيرها من الأنشطة المساندة عند وقوع الكوارث والأزمات، لا قدّر الله. والأمثلة على ذلك كثيرة ومشاهدة، حيث تقف المبادرات التطوعية في الصفوف الأولى لتقديم العون، وتخفيف المعاناة، ومساندة الجهات المختصة في أداء مهامها.
وفي هذا السياق، يلعب الإعلام دوراً مهماً في التوعية والمشاركة، وتشكيل الصورة الذهنية لدى الناس عن مفاهيم قد تكون غائبة أو مشوهة أو غير مكتملة بشأن الدور الإنساني والإيجابي الذي تؤديه الفرق التطوعية والجمعيات الخيرية غير الربحية. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار وتوثيق الأنشطة، بل هو شريك في نشر ثقافة التطوع، وتحفيز الأفراد على المشاركة، وإبراز النماذج المضيئة التي تستحق التقدير والاقتداء.
كما أن التغطية الإعلامية المهنية للعمل التطوعي تسهم في تعزيز الثقة المجتمعية، وإيصال المبادرات إلى الفئات المستهدفة، واستقطاب الداعمين والمتطوعين، وإبراز الاحتياجات الفعلية للمجتمع. ومن المهم أن يتجاوز الإعلام حدود التغطية الموسمية والمناسبات العابرة إلى المتابعة المستمرة، وتسليط الضوء على النتائج والإنجازات والتحديات، بما يعزز الشفافية والمصداقية ويضمن استدامة الأثر.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء شراكات ناجحة وفاعلة بين القطاع الخيري والتطوعي والمؤسسات الإعلامية، تقوم على تبادل الخبرات وتوحيد الرسائل وتنسيق المبادرات، بحيث يعرف الإعلام ما يحتاجه الميدان، وتدرك الفرق التطوعية أهمية الرسالة الإعلامية في إيصال جهودها إلى المجتمع. فكل طرف يمتلك أدواته الخاصة، لكن التكامل بينهما هو ما يمنح العمل مزيداً من التأثير والانتشار والاستدامة.
وفي الختام، فإن التطوع يصنع الأثر في الميدان، والإعلام ينقل هذا الأثر إلى الوعي المجتمعي؛ فحين تتعانق سواعد المتطوعين مع أقلام الإعلاميين وعدساتهم، تتحول المبادرات الفردية إلى ثقافة مجتمعية، والجهود المتفرقة إلى منظومة عطاء متكاملة.
إننا لا نحتاج إلى إعلام يكتفي بالحديث عن التطوع، ولا إلى عمل تطوعي يغيب عن الوعي المجتمعي، بل نحتاج إلى إعلام يؤمن برسالة التطوع، وتطوع يدرك قيمة الإعلام؛ فبالتعاون بينهما نزرع ثقافة العطاء، ونرسخ المسؤولية المشتركة، ونبني مجتمعاً أكثر وعياً وتراحماً وتماسكاً، ويكون الوطن أول المستفيدين من هذا التكامل الإنساني النبيل.
للتواصل : [email protected]



