وش تبون العشاء؟ حين تصبح النعمة أمنية

✍️ إبراهيم أحمد الروسي – كاتب سعودي :
ليست كل النعم التي نعيشها نشعر بقيمتها، وليست كل الأرزاق التي تحيط بنا ندرك عظمتها. فهناك نعم اعتدنا وجودها حتى أصبحت في أعيننا أمورًا عادية، بينما هي في حياة غيرنا أحلام بعيدة وأمنيات ينتظرون تحققها.
حين يسأل الأب أبناءه في نهاية يوم طويل: «وش تبون العشاء؟»، قد يبدو السؤال عابرًا في نظرهم، لكنه في حقيقته يحمل معنى عظيمًا؛ فهناك من ينتظر عودة والده ليجتمع به حول مائدة الطعام، وهناك من يتمنى وجبة تسد جوع أطفاله، وهناك من أثقلته الظروف حتى أصبح تدبير قوت يومه همًّا لا يفارقه.
إن أعظم ما نفقده ليس دائمًا ما يغادر أيدينا، بل ما يغادر قلوبنا من شعور بقيمة ما نملك.
كم من إنسان ينام في بيته آمنًا، ولا يستشعر نعمة الأمن، وكم من مريض يتمنى لحظة عافية، بينما يشتكي المعافى من تفاصيل صغيرة، وكم من أسرة تجتمع على مائدة واحدة دون أن تدرك أن اجتماع الأحبة حولها نعمة لا تُقدّر بثمن.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى تغيّر أحوالنا حتى نشعر بالسعادة، بل نحتاج أحيانًا إلى تغيير نظرتنا إلى ما نملكه. فالسعادة ليست في كثرة النعم وحدها، وإنما في معرفتنا بقيمتها، وحمدنا لله عليها، وإحساسنا بمن حُرم منها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
إن شكر النعمة لا يكون باللسان وحده، بل يظهر في السلوك والأفعال؛ فشكر المال يكون بالعطاء، وشكر الصحة يكون فيما ينفع، وشكر المكانة يكون بالتواضع، وشكر العلم يكون بنشره، وشكر القدرة يكون بمساعدة المحتاجين وجبر خواطر المنكسرين.
ومن أعظم صور الشكر أن نتذكر المحتاج دون أن ينتظر السؤال، وأن نمد أيدينا بالعون دون أن نجرح كرامة أحد، وأن نكون سببًا في ابتسامة إنسان أثقلته الحياة. فكم من مساعدة بسيطة عند صاحبها، عظيمة في أثرها عند من تلقاها، وكم من كلمة طيبة أعادت إلى قلب متعب شيئًا من الأمل.
ولعلنا نحتاج بين حين وآخر إلى أن نتوقف قليلًا، وننظر إلى ما حولنا بعين الامتنان، لا بعين الاعتياد؛ فنحمد الله على سقف يؤوينا، وطعام يجمعنا، وأهل نأنس بهم، وصحة تعيننا، وأمن يجعلنا ننام مطمئنين.
فما نراه اليوم أمرًا معتادًا قد يكون عند غيرنا أمنية، وما نمر عليه دون انتباه قد يكون نعمة عظيمة لا يدرك قيمتها إلا من فقدها.
فلا تجعلوا الاعتياد يحجب عنكم جمال النعم، ولا تجعلوا الانشغال يسرق من قلوبكم لذة الحمد، ولا تنتظروا زوال النعمة حتى تعرفوا قدرها.
وفي ختام القول، لنجعل الحمد أسلوب حياة، والامتنان خُلقًا ثابتًا، والعطاء سلوكًا لا يرتبط بوفرة المال، بل بصدق الشعور. ولندعُ الله دائمًا كما علّمنا الدعاء النبوي:
«اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».
الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما أبقى، والحمد لله على نعم نعرفها ونعم لا نعرفها، ونسأله سبحانه دوام فضله، وحسن شكره، وألا يجعلنا ممن لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد فقدها.
للتواصل: [email protected]



