الله لا يبيّن غلاك

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
الله لا يبيّن غلاك.
كم مرة سمعنا هذه العبارة من شخص عزيز، أو قلناها لمن نحب، دون أن نتوقف طويلاً عند ما تحمله من معنى؟
عبارة قصيرة، اعتدنا سماعها في أحاديث أهلنا ومجالسنا، حتى أصبحت جزءاً من لغتنا اليومية. ومع ذلك، كلما تأملتها، شعرت أن وراء كلماتها البسيطة شيئاً أكبر مما تقوله.
فنحن حين نقول لأحدهم (الله لا يبين غلاك)، لا نعني أننا لا نعرف مكانته في قلوبنا، بل إننا نعرفها جيداً، ونتمنى ألا تأتي الحياة بما يجعلنا نكتشف عمقها من خلال الفقد أو الغياب.
وكأننا نقول له أعرف كم أنت غالِِ، لكنني لا أريد أن أعرف كيف ستكون الحياة من دونك.
ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها لا تصف المحبة بقدر ما تكشف عن خوف الإنسان على ما يحب.
فبعض الأشخاص يدخلون حياتنا بهدوء، ثم يصبح وجودهم جزءاً من تفاصيلها، دون أن نشعر متى حدث ذلك.
تأمل ذلك الابن الذي اعتاد أن يسمع صوت أمه كل صباح، تسأله إن كان قد تناول إفطاره، وتوصيه بأشياء يعرفها جيداً. قد يجيبها على عجل، وربما يبتسم من تكرار وصاياها، لكنه لا ينتبه دائماً إلى أن هذا الصوت المألوف يمنحه شعوراً بالأمان لا تصنعه الكلمات وحدها.
أو ذلك الصديق الذي يتصل دون مناسبة، يحدثك عن يومه، ويسألك عن يومك، ثم تنتهي المكالمة دون أن يحدث فيها شيء يستحق أن يُروى. ومع ذلك، تشعر بعدها أن شيئاً من تعبك قد خف.
هؤلاء لا يصنعون بالضرورة أحداثاً كبيرة في حياتنا، لكنهم يجعلون الحياة نفسها أكثر ألفة.
وربما هنا يكمن المعنى الذي نغفل عنه كثيراً.
فنحن نميل إلى تذكر الأشخاص من خلال المواقف التي جمعتنا بهم، ونربط مكانتهم بما قدموه لنا في أوقات الحاجة. لكن هناك محبة تنمو بعيداً عن المواقف الكبيرة، وتصنعها تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءاً من أيامنا.
صوت نعرفه من أول كلمة، وضحكة نميزها بين عشرات الضحكات، ورسالة نبتسم حين يظهر اسم صاحبها، ووجود لا يحتاج إلى مناسبة حتى نشعر بقيمته.
ومع مرور الوقت، نعتاد هذه التفاصيل، حتى نظن أنها ستظل كما هي.
وهنا تكمن مفارقة تستحق التأمل، فقد يجعلنا الاعتياد أقل انتباهاً إلى الأشياء التي تمنح حياتنا أجمل معانيها.
نؤجل لقاء لأننا نظن أن الغد متاح، ونختصر حديثاً لأننا نعتقد أن أمامنا أحاديث كثيرة، ونحتفظ بكلمات جميلة في صدورنا لأننا لم نشعر بعد بالحاجة إلى قولها.
وليس ذلك دليلاً على قلة المحبة، وإنما لأن الإنسان قد يطمئن إلى حضور من يحب حتى ينسى أن هذا الحضور نعمة تستحق الانتباه.
ومع ذلك، لا أعتقد أن علينا أن نعيش خائفين من الغياب، أو أن نحول كل لحظة جميلة إلى احتمال مؤلم.
فالمحبة التي تظل منشغلة بالخوف من نهايتها قد تفقد شيئاً من جمال بدايتها واستمرارها.
الأجمل أن نتعلم كيف نرى من نحب وهم بيننا، وأن نمنحهم من الاهتمام ما يجعلهم يشعرون بمكانتهم دون أن يضطروا إلى السؤال عنها.
أن نصغي حين يتحدثون، وأن نطمئن عليهم دون مناسبة، وأن نقول الكلمة الطيبة في وقتها، لا حين تصبح مجرد أمنية لا تصل إلى صاحبها.
فليس المطلوب أن نبالغ في التعبير عن مشاعرنا، وإنما ألا نجعل الألفة سبباً في إهمالها.
وأعود إلى تلك العبارة التي تبدو عادية في ظاهرها، وعميقة في معناها:
الله لا يبين غلاك.
أجد فيها دعاء بالمحبة، وبقاء للألفة، ورغبة صادقة في ألا نعرف قيمة الأحبة من خلال الأماكن التي يتركونها خلفهم.
لكنني أجد فيها أيضاً تذكيراً بشيء آخر، أن معرفة الغلاء لا تكفي ما لم يظهر أثرها في طريقة تعاملنا مع أصحابه.
فما قيمة أن نعرف مكانة إنسان في قلوبنا، إن كان لا يشعر بشيء من تلك المكانة في حياتنا؟
وما أجمل أن يعرف الإنسان أنه عزيز، لا من الكلمات التي تُقال عنه في غيابه، بل من المحبة التي يلقاها في حضوره.
ولعل هذا هو المعنى الذي أريد أن أحتفظ به من هذه العبارة:
لا تنتظر أن يعلمك الغياب قيمة من تحب، فبعض النعم لا تحتاج إلى أن نفقدها حتى نعرف أنها كانت عظيمة.
الله لا يبين غلا من نحب بفقدهم، ولا يجعلنا نعرف قدرهم بعد فوات الأوان.
للتواصل : [email protected]



