حين تُمنح الفرص للبعض، وتُهمَّش الكفاءات… من يدفع الثمن؟

✍️عبدالعزيز الرحيل _ كاتب سعودي :
في الحياة الصناعية، لا تُقاس قوة المنظمات بما تمتلكه من مصانع ومعدات وتقنيات فحسب، بل بقدرتها على اكتشاف الكفاءات، وتوظيف الخبرات، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
لكن ماذا يحدث عندما تُمنح الفرص بناءً على القرب من أصحاب القرار، بينما تُهمَّش كفاءات تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على إحداث فرق حقيقي؟
المشكلة لا تتوقف عند موظف لم يحصل على ترقية، أو كفاءة لم تُمنح فرصة للقيادة؛ بل تمتد آثارها إلى المنظومة بأكملها.
تتراجع الثقة: عندما لا يرى الموظفون علاقة واضحة بين الأداء والفرص المهنية.
تضعف المبادرة: عندما يشعر أصحاب الكفاءات بأن جهودهم لن تصنع فرقًا في مستقبلهم الوظيفي.
تتراجع مشاركة المعرفة: عندما يفقد الأفراد الحافز لنقل خبراتهم أو المساهمة خارج حدود مسؤولياتهم.
تخسر المنظمة كفاءاتها: وقد يستمر الموظف في أداء مهامه، بينما تتراجع مشاركته الفكرية ومبادرته بالتطوير، أو يختار الرحيل بحثًا عن بيئة أكثر إنصافًا.
وفي القطاع الصناعي، قد لا تظهر هذه الآثار فورًا في مؤشرات الإنتاج أو تقارير الأداء، لكنها قد تتراكم لتؤثر في جودة القرارات، وكفاءة التشغيل، واستمرارية المعرفة، وقدرة المنظمة على التطور.
لقد أكد إدوارد ديمينغ (W. Edwards Deming) أهمية دور النظام الإداري في تشكيل الأداء؛ فليس من المنطقي أن نطالب الأفراد بالتميز بينما لا تساعدهم آليات الإدارة على تحقيقه.
كما ارتبط فكر بيتر دراكر (Peter Drucker) بأهمية إدارة المعرفة والقدرات البشرية وتحويلها إلى نتائج تحقق قيمة للمؤسسة.
ومن هنا، فإن القيادة الواعية لا تكتفي بالسؤال: من يستحق هذه الفرصة؟
بل تسأل أيضًا:
ما المعايير التي بُني عليها القرار؟
هل نمنح الفرص بناءً على الكفاءة والجاهزية والنتائج؟
هل نكتشف أصحاب الخبرات الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء؟
وهل نبني صفًا ثانيًا من القيادات، أم نحدّ من تطور الكفاءات التي نحتاج إليها مستقبلًا؟
العدالة في الفرص لا تعني أن يحصل الجميع على المنصب نفسه، بل أن تكون معايير الاختيار واضحة، وأن تكون الكفاءة والقدرة على تحقيق النتائج أساسًا للمفاضلة.
فالمنظمة المستدامة ليست تلك التي تمنح الفرص للأشخاص الأكثر ظهورًا، بل التي تستطيع اكتشاف الأشخاص الأكثر قدرة على الإضافة، وتطويرهم، وتمكينهم من تحويل خبراتهم إلى نتائج ملموسة.
في الصناعة، قد تستطيع تعويض معدّة معطلة، أو معالجة نقص في المخزون، أو استعادة إنتاج متوقف؛ لكن تعويض الخبرة المتراكمة، واستعادة ثقة العاملين، وإعادة بناء ثقافة مهنية عادلة، قد يستغرق وقتًا أطول بكثير.
فالاستدامة التشغيلية لا تبدأ من المعدات وحدها، بل من استدامة المعرفة، وعدالة الفرص، وجودة القرارات، وثقة الإنسان بالمنظومة التي يعمل فيها.
ويبقى السؤال لكل قائد في القطاع الصناعي:
هل نبني منظومة تُنمّي الكفاءات وتستفيد منها، أم منظومة تمنح الفرص للبعض وتدفع الآخرين تدريجيًا إلى الانسحاب؟



