كتاب الرأي

قوّة الكلمة

✍️خالد مطر الزهراني – كاتب صحفي :

لطالما كان للكلمةِ قوة وتأثير قد يصل مداها مالم تصله بالقوة والسلاح إن الكلمة قد تهدم صرحاً بأحدهم وتشيد البنيان بداخله قد تقوي عزيمته وتثبطها قد تتفوه بكلمة عابرة لكن المتلقي يستقبلها بالنقيض تماما فقد تلازم خياله وفكره وتلامس روحه ووجدانه وتكون كالجبل الراسخ بداخله .

قد يتفوق الطالب بأعلى الدرجات ودافعهُ كلمة وقد تحبط عزيمة آخر بكلمة …
قد يثير حماس الموظف كلمة ثناء وشكر وفي الاتجاه الآخر قد يعمل الأخر كعمل روتيني فقط لا أكثر , قد تٌكسر الزوجة كلمة ويٌجبر الزوج بأخرى وقد ينجرِف الابن في تيار العقوق والصُحبة السيئة بكلمة …
وبنطاق أوسع قد تُشن حرباً بكلمة وقد يعُم الأمن والسَلام بكلمة
وكل ذلك يتوارى خلف سِتر كلمة واحدة
الكلمة النافذة كالسهم إذا خرجت من القوس لا تملك ردها ( جورج أوريول )

إن الكلمة اذا قيلت بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح قد تغير فكر شخص ما وتنتشله من الحضيض الى المجد وتغرس الأمل أو تنتزعه .
قد كان السلف رحمهم الله ينتقون الكلمة كما ينتقون أفضل الملابس ويزينونها بالأدب والأسلوب الحسن
قد كان عمر الخطاب رضي الله عنه من أقوى الصحابة وأشجعهم مُهاب , طويل القامةِ , أجسَر القوم وقد كَان اسلامهٌ رضي الله عنه عزَة ونصر للمسلمين ولكنه كان رقَيق القلب عَذب المنطِق ففي إحدى الليالي الحالِكة المظلمة كان يسيرُ في شوارع المدينة المنورة ويجوبُ فيها للاطمئنان على أحوال رعيَته , وفي تلك الليلة أبصر نارا فدفعتهُ المسؤولية والحِرص للذهاب اليها فعندما دنا منها نادى يا أصحابُ الضَوء ولم يقل يا أصحاب النار خشيةَ على مشاعرهم .
يا للعجب من هذا الموقف النبيل أترك لك مساحتك عزيزي القارئ هل تنتقد شيء ما بهذا الأسلوب ؟
هل تعبر عن اختلافك مع أحدهم بهذه الطريقة ؟
تذكر وتفكر … ومن ثم ضع هذا الموقف النبيل نصب عينيك وأقتدِ به .
إن الأدب في اختيار الكلمة منبع الذوق الرفيع ومن مكارم الأخلاق .

فلا تغفل عزيزي القارئ أن للكلمة عناية واهتمام في الشريعة الإسلامية فقد ولَاها النبي عليه الصلاة والسلام اهتمامهُ الكبير لعِظم هذا الموضوع وأهميَته فقد قال صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلمَ المسلمُون من لسانه ويَده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . رواه بخاري ومسلم .

لا يكفي أن نقرأ هذا الحديث فقط بل هناك لحظة استجلاء وومضة فِكر …
لماذا بدأ النبي عليه الصلاة والسلام باللسان قبل اليد ؟
إن اللسَان هو المُحرك الأساسي لهذه اليد وهو المنبَع للفعل والشرارة التي تقوم عليه جُل الأفعال أكبرِها وأصغرها لم يكن اختياره خبط عشواء ولا بمحض الصدفة حاشَى عنه صلى الله عليه وسلم بل قال عنه الله تعالى ( وما ينطق عن الهوى , ان هوى الا وحي يوحى ) . سورة النجم .
وإذا اردت أن تَستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسَان فإنه يُطلِع على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى قال يحيى بن معاذ : القلوب كالقدور تَغلي بما فيها ألسنتها مغارِفُها فانظر الى الرجل حِين يتكلَم فإن لسانه يغترِف لك مما في قلبه حلو وحامض , وعذب وأُجاج , وغير ذلك ويبين لك طعم طلبه اغتراف لسانه .

أي كما تطعم بلسانك ما في القدور من طعام يمكنك أن تطعم ما في قلب الرجل من لسانه .

قال سهل بن هارون : اللسان معيارُ العقل , فاختَر من الكلامِ ما يحسن معيارك ) .
وقبل أن اختم بهذا اشير ان الاختيار والانتقاء في القول ليس رفاهية تعبيرية بل معيار العقل وزينة الأدب
كما تنتقي لباسك للعيون , انتق مفرداتك للقلب والمكنون .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى