ليس كما يبدو عن الحقائق التي لا تظهر من النظرة الأولى

✍️نجد الثبيتي-كاتبة صحفية:
أؤمن أن النظرة الأولى قد تمنحنا انطباعًا، لكنها لا تمنحنا الحق في إصدار حكم نهائي. فما نراه أمامنا ليس بالضرورة الصورة كاملة، وما نسمعه لا يعني أننا عرفنا الحكاية من جميع جوانبها. وبين ما يظهر لنا وما يحدث فعلًا، مساحة تحتاج إلى وعي وتأنٍ، لا إلى أحكام سريعة تسبق فهم الحقيقة.
كثيرًا ما تستوقفني الطريقة التي نفسّر بها تصرفات الآخرين؛ كيف يمكن لموقف عابر أن يغيّر نظرتنا إلى إنسان، أو لكلمة واحدة أن تصنع صورة يصعب تصحيحها لاحقًا. قد نرى شخصًا صامتًا فنظن أنه متكبر، أو نلاحظ ابتعاد أحدهم فنعتقد أنه لم يعد يهتم، دون أن نسأل أنفسنا إن كانت هناك أسباب لم نعرفها، أو تفاصيل لم تظهر لنا بعد. وهنا يبدأ الفرق بين من يكتفي بما يراه، ومن يمنح نفسه فرصة لفهم ما وراءه.
في تقديري، ليست المشكلة في الانطباع الأول، بل في أن نتمسك به وكأنه حقيقة لا تقبل المراجعة. فالإنسان لا يُختصر في موقف، ولا تكشف ملامحه دائمًا ما يدور في داخله. وقد نسيء فهم شخص لأننا نظرنا إليه من زاوية واحدة، أو نحكم على تجربة لأننا لم نرَ منها إلا بدايتها. ومع ذلك، نمضي أحيانًا في أحكامنا بثقة، متناسين أن الثقة في الرأي لا تعني بالضرورة صحته.
وما يجعل الأمر أكثر أهمية أن أحكامنا لا تبقى دائمًا في حدود أفكارنا؛ فقد تتحول إلى كلمات تؤذي، أو مواقف تظلم، أو أحاديث تنتقل بين الناس حتى تصبح رواية يتعامل معها الجميع على أنها حقيقة. وقد يحدث كل ذلك بسبب معلومة ناقصة، أو مشهد لم تتضح خلفياته، أو تفسير لم يخضع لأي محاولة للتحقق. لذلك أرى أن التروي ليس مجرد صفة شخصية، بل مسؤولية في التعامل مع الآخرين، خصوصًا في زمن أصبح فيه إطلاق الأحكام أسرع من الوصول إلى الحقيقة.
لكن التروي، في المقابل، لا يعني أن نتجاهل ما تكشفه لنا المواقف، أو أن نمنح الآخرين أعذارًا لا يستحقونها. بل أن نعرف الفرق بين ما حدث فعلًا وما افترضناه، وأن نمنح الوقائع حقها قبل اتخاذ موقفنا منها. فكما أن التسرع قد يقودنا إلى الظلم، فإن تجاهل الحقائق الواضحة قد يقودنا إلى تكرار الأخطاء نفسها. والوعي الحقيقي هو أن ننتظر حين تكون الصورة ناقصة، وأن نحسم موقفنا حين تتضح بما يكفي.
ولعل التجارب تعلّمنا أن بعض الحقائق لا تظهر في بدايتها، وأن الوقت قد يكشف ما لم تستطع الكلمات توضيحه. وقد نكتشف أننا أسأنا فهم موقف، أو بالغنا في الثقة بانطباع، أو تمسكنا بتفسير لم يكن دقيقًا. عندها لا تكون مراجعة الرأي خسارة، بل خطوة نحو فهم أكثر نضجًا؛ لأن الإنسان الذي يحترم الحقيقة لا يخشى أن يعيد النظر فيما اعتقده يومًا.
أميل إلى الاعتقاد بأننا لا نحتاج دائمًا إلى معرفة كل التفاصيل، بقدر ما نحتاج إلى إدراك حدود معرفتنا. فليس من الضروري أن نعرف قصة كل إنسان، لكن من الضروري ألا نتحدث عنها وكأننا نعرفها كاملة. وليس مطلوبًا منا أن نؤجل أحكامنا إلى الأبد، بل أن نمنح الحقيقة فرصتها قبل أن نستبدل بها ظنوننا.
في النهاية، ليس كل ما يبدو واضحًا يستحق أن نصدقه من النظرة الأولى، ولا كل ما نعتقد أننا فهمناه قد وصل إلينا كاملًا. وبين التسرع والتروي يتحدد كثير من مواقفنا، وربما يتحدد أيضًا مقدار الإنصاف الذي نمنحه للآخرين.
لهذا، أرى أن الحكمة ليست في أن نصل إلى الحكم أولًا، بل في أن نصل إليه ونحن نعرف لماذا اخترناه، وعلى أي حقيقة استندنا. فبعض الأشياء ليست كما تبدو، وبعض الحقائق لا تحتاج إلى عين ترى أكثر، بقدر ما تحتاج إلى عقل يتأنى قبل أن يقرر ما رأى.
«ليست كل الأشياء كما تبدو لنا، فبعض الحقائق تحتاج إلى أن نتأنّى في رؤيتها، قبل أن نمنحها حكمًا لا يشبه حقيقتها.»
للتواصل : [email protected]



