مملكة الوجوه المستعارة: حين بات لكل مصلحةٍ وجه!

✍️د. حليمه عسيري – كاتبة سعودية :
في العصر الذي تدفقت فيه التقنية وغدت الأرواح تتشابه في زحام المادة، يقف الإنسان المعاصر أمام مرآة روحه مأزوماً لا ليطمئن إلى إشراقة ملامحه، بل ليختار من رفوف الأكوان “وجهاً” يليق بالموقف، و”قناعاً” يعبر به مسرح العلاقات العابرة.
لقد تآكلت الأصالة حتى غدت
الوجوه شاحبةً عن هوياتها الحقيقية، وصار الجميع يبحث عن هديته في أروقة النفاق الاجتماعي حيث «لم تعد الوجوه تشبه أصحابها، بل تشبه مصالحهم،
ففي زمن الأقنعة، أصبح لكل مصلحةٍ وجه!».
أكذوبة المرايا وتعدد الملامح
ما أشقَّ أن يعيش المرء متمزقاً بين مئات الصور التي تفصل بين حقيقته وما يبديه للناس!
فالوجوه البشريّة التي طالما كانت مرآةً صافية للسرائر، وتعبيرًا صادقًا عن طمأنينة الروح أو شجنها، تحولت في سوق المصالح إلى بضائع متغيرة. يرتدي أحدهم قناع الوداعة حين يرتجي منفعة، ويتبدل بآخر من الحزم الزائف حين تقتضي اللعبة؛ فاستحالت الحياة إلى حفل تنكري كبير لا ينتهي، يتسابق فيه الجميع لارتداء أقنعة تليق بالمكاسب لا بالقيم.
اغتراب الروح في حضرة الزيف
حين تفقد الوجوه طهرها العفوي وتتوشح بأردية المجاملات النفعية، فإن الثمن الباهظ يُدفع من رصيد الأمان النفسي والمجتمعي. تصبح القلوب عارية في زحام الحشود، يغتالها إحساس بالوحشة والوحدة، فما قيمة أن يصفق لك ألف وجه مستعار وأنت تعلم في قرار نفسك أن أحداً لا تعرف حقيقتك، وأن ما يحترمون ليس سوى القناع البلاستيكي الذي ترتديه؟ إن النفاق الممنهج يفرغ الروابط الإنسانية من محتواها العاطفي، ويهدم جسور الثقة ليقيم مكانها رمالاً متحركة من العلاقات الهشة.
الخلاص في العودة إلى الأصل
إن التحرر من سطوة الأقنعة هو أسمى أشكال الثورة على واقع الاستهلاك البشري. إن الوجه الحقيقي، بملامحه البسيطة وصدقه الخالص، يظل الوسام الأطهر الذي يحمله الإنسان بشرف. وحين يدرك المرء أن خسارة مصلحة مؤقتة بثمن “نقاء الذات” هي ربحٌ مؤبد، فإنه يختار السلام الداخلي على ضجيج التمثيل المزيف.
فطوبى لمن حافظ على وجهه الأول، ولم يبيع ملامحه في سوق الوهم، فبقاء الإنسان حقيقياً في عالم يقدس الزيف، هو المعنى الأبقى للبطولة الإنسانية.
للتواصل : [email protected]



