كتاب الرأي

عنايةٌ تُسبقُ القرار

         ✍️ خضر الثقفي- كاتب راي :

   قراءة في دلالة الـ 500 ريال

ليست كل القرارات تُقاس بقيمتها المالية. بعض القرارات تُقاس بتوقيتها، وبعضها بآليتها، وبعضها بالرسالة التي تحملها بين سطورها. وقرار زيادة 500 ريال لمستفيدي الضمان وموظفي الدولة، والمتقاعدين؛ ورفع الحد الأدنى للأجور، هو من هذا النوع الثالث.

الدولة تستعد لتصحيح تعريفتي الكهرباء والمياه مطلع يناير 2027. وهو تصحيح اقتصادي لا بد منه، تفرضه متطلبات الاستدامة، وكفاءة الإنفاق، وأهداف رؤية 2030. غير أن اللافت ليس التصحيح، بل ما سبقه.

فقد سبقته الحماية. وسبقته الطمأنينة. وسبقته رسالة واضحة للمواطن: لن تمشي في هذا الطريق وحدك.

*من التعويض إلى الوقاية*

جرت العادة في كثير من التجارب أن يأتي الدعم بعد الألم، تعويضاً عن ارتفاع، أو ترميماً لضرر. أما هنا، فقد جاء الدعم قبل الأثر. جاء ليمنع الألم لا ليعالجه.

وهذا هو جوهر التحول في فلسفة الدعم في المملكة: الانتقال من منطق رد الفعل، إلى منطق الفعل الاستباقي. الدولة لا تنتظر أن يشتكي المواطن من فاتورة، بل تؤمن له ما يخفف وقعها قبل أن تصدر.

ولذلك، لم تكن التفاصيل التي أوضحها نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية الأستاذ بدر السويلم تفاصيل إجرائية فحسب، بل كانت تأكيداً لهذه الفلسفة.

*ثلاثة دروس في آلية الصرف*

حين قال السويلم إن الزيادة ستصرف تلقائياً دون طلب، وإنها لن تحتسب ضمن الدخل المؤثر على الأهلية، فهو يقول إن كرامة المستفيد محفوظة. لن يُطلب منه أن يثبت فقره مرة أخرى، ولن يُعاقب على دعم قُدم له.

وحين قال إن من يتقاضى الـ 500 في راتبه الحكومي أو معاشه التقاعدي لن يصرف له المبلغ مرة أخرى من الضمان، فهو يعلن مبدأ العدالة الرقمية. لا ازدواجية، ولا هدر، ولا تحايل. حق واحد مصان، يصل مرة واحدة، بدقة.

وحين قال إن من يحصل على جزء من المبلغ في معاش موروث سيُستكمل له الفرق ليصل إلى 500، فهو يكشف عن دقة الرحمة. فالدولة لا تتعامل مع الأرقام ككتلة واحدة، بل تتعامل مع كل حالة على حدة، وتجبر النقص، وتسد الفجوة.

هذه ليست آلية صرف. هذه هندسة عدالة.

*الأسرة.. هي المعيار*

والأبلغ من ذلك كله، أن الدولة جعلت الأسرة هي وحدة الدعم، لا الفرد. 500 ريال للأسرة الضمانية، و500 للمستقل. المبلغ ثابت لا يتأثر بعدد التابعين، ولا يسقط الأهلية. كأن الدولة تقول: الأسرة هي أساس الاستقرار، وحمايتها هي حماية للمجتمع كله.

كما أن ربط الزيادة بمسارين آخرين، زيادة لموظفي الدولة، ورفع تدريجي للحد الأدنى في القطاع الخاصالى 5000ريال ثم إلى 6000 ريال، يؤكد أننا أمام منظومة حماية متكاملة، لا قرار منعزل.

تحمي الموظف الحكومي، وتحمي مستفيد الضمان، وتحمي موظف القطاع الخاص من ضعف الأجر.

*الخاتمة*

إن عناية الحكومة بالمواطن لا تظهر في خطاب، بل تظهر في آلية. ولا تقاس بضخامة المبلغ، بل بذكاء التوقيت.

والـ 500 ريال بهذا المعنى، ليست مجرد زيادة شهرية تبدأ في يناير 2027. هي وثيقة طمأنينة، تقول للمواطن البسيط: نحن نرى المتغيرات قبلك، ونحسب حسابها عنك، وسنكون معك قبل أن تحتاج أن تنادينا.

وهذه هي الدولة التي يأمن فيها المواطن على معيشته، كما يأمن على وطنه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى