*عندما واجه أبرهة حرمة البيت… واليوم تحمي المملكة الحرمين الشريفين*
*الغوغاء وأذنابهم في انتهاك حرمة الحرمين الشريفين وقِبلة المسلمين… أمن المملكة خط أحمر

✍️ د. عصام عبدالقادر الرحالي — أكاديمي – كاتب رأى عام سعودي :
ليست مكة المكرمة مدينةً كغيرها من مدن العالم، وليست المدينة المنورة مكانًا عاديًا في وجدان المسلمين؛ فهنا قبلة المسلمين، وهناك مسجد رسول الله ﷺ، ومن هاتين البقعتين الطاهرتين تتجدد معاني الإيمان والسكينة والوحدة. ولذلك فإن المساس بحرمتهما، أو ترويع الآمنين في رحابهما، أو تهديد أمن المملكة التي تتشرف بخدمة الحرمين الشريفين، ليس فعلًا عابرًا يمكن التهاون معه، بل اعتداء على حرمة عظيمة ومساس بأمن ملايين المسلمين الذين تتجه قلوبهم إلى هذه الأرض المباركة.
*من أصحاب الفيل إلى غوغاء هذا الزمان*
لقد خلد القرآن الكريم قصة أصحاب الفيل، الذين قصدوا البيت الحرام يريدون هدمه، فجعل الله كيدهم في تضليل، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾.
وتبقى هذه القصة شاهدًا على عظمة حرمة البيت الحرام، وعلى أن الاعتداء عليه ليس أمرًا هيّنًا في ضمير المسلمين. كما أن قريش، على ما كان فيها من شرك وصراعات، كانت تعرف مكانة الكعبة بين العرب، وتدرك أن للبيت حرمةً ومكانةً لا يصح الاستهانة بهما.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان أبرهة قد توجّه بجيشه إلى البيت الحرام، فكيف بمن يرفع شعارات دينية، ثم يسمح لنفسه أو لأتباعه بالتلويح بالاعتداء على الحرمين الشريفين، أو ترويع الحجاج والمعتمرين، أو تهديد أمن المسلمين في أطهر بقاع الأرض؟
أليس من التناقض أن يرفع المرء شعار نصرة الإسلام، ثم يهدد أمن المسلمين ويعرّض أرواح الأبرياء للخطر؟
*الغوغاء وأذنابهم… حين تتحول الشعارات إلى تهديد للأمن*
إن الغوغائية لا تُقاس بعلو الصوت أو كثرة الضجيج، وإنما تظهر حين يتقدم التحريض على العقل، ويُستبدل الحوار بالتهديد، وتتحول الشعارات إلى وسيلة لترويع الآمنين أو الاعتداء على المقدسات. وتزداد خطورة الأمر عندما ينقاد بعض الأفراد وراء جهات تحرضهم، أو تستخدمهم أدواتٍ لتحقيق أهداف سياسية، دون تقدير لعواقب ما يفعلون على أرواح الناس وأمن المنطقة واستقرارها.
وإن وصف هذه الممارسات بالغوغائية لا يعني الانتقاص من شعب أو جنسية أو مذهب، ولا يبرر تعميم الاتهام على الأبرياء؛ فالمسؤولية تقع على من يخطط للاعتداء، ومن يحرّض عليه، ومن ينفذه، ومن يثبت تورطه فيه وفق الأدلة والإجراءات النظامية.
أما الحرمين الشريفين، فلا ينبغي أن يكونا ساحةً لتصفية الحسابات السياسية، ولا منصةً للمزايدات، ولا هدفًا للتهديد أو الابتزاز. فهما موضع عبادة وأمان، يقصدهما المسلمون من شتى أنحاء العالم، ولا يجوز أن تتحول قدسيتهما إلى أداة في صراعات القوى أو حسابات الجماعات.
*الحرمين الشريفين وقِبلة المسلمين… حرمة لا تقبل المساومة*
إن مكة المكرمة ليست مجرد موقع جغرافي؛ إنها قبلة أكثر من مليار مسلم، وإليها تتجه الصلوات، وتشد الرحال لأداء مناسك عظيمة وفق أحكامها الشرعية. والمدينة المنورة تحتل مكانة راسخة في قلوب المسلمين لارتباطها برسول الله ﷺ ومسجده الشريف وتاريخ الإسلام.
فإن أي تهديد لأمن الحرمين الشريفين يتجاوز حدود الخلاف السياسي؛ لأنه يمس مشاعر المسلمين وحقهم في أداء عباداتهم بأمن وطمأنينة. قال الله تعالى:
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
إن حرمة الحرمين ليست قضيةً تخص المملكة وحدها، وإن كانت المملكة تتحمل مسؤولية مباشرة وعظيمة وكبيره في حمايتهما وخدمة قاصديهما؛ بل هي قضية إسلامية وإنسانية تستوجب رفض كل اعتداء أو تهديد، والوقوف بحزم أمام كل فعل يعرض الحجاج والمعتمرين والزوار للخطر.
*المملكة العربية السعودية… أمن الحرمين مسؤولية وشرف*
لقد ارتبطت المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، وتبذل مؤسساتها وجهودها التنظيمية والأمنية والصحية جهودًا واسعة لتيسير الحج والعمرة وحماية الأرواح والمحافظة على سلامة الحشود.
وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تظل حماية الوطن وصون أمنه واستقراره، وخدمة الحرمين الشريفين، من المسؤوليات الوطنية الكبرى التي تتطلب اليقظة والاستعداد والتنسيق بين الجهات المختصة.
ويؤدي رجال القوات المسلحة والدفاع الجوي والجهات الأمنية وسائر الأجهزة المعنية أدوارًا أساسية في رصد المخاطر ومواجهتها، وحماية المنشآت والأرواح، والتعامل مع التهديدات وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة.
إن قوة الدولة لا تُقاس بالخطاب وحده، بل بقدرتها على حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها وضيوفها، وبكفاءة مؤسساتها واستعدادها، وبالتزامها القانوني والإنساني في مواجهة المخاطر. ومن حق المملكة، كأي دولة، أن تتخذ التدابير المشروعة اللازمة للدفاع عن أمنها وحماية حدودها ومقدساتها وسكانها.
*حرمة الدم وكرامة الإنسان… مبدأ لا يتغير باختلاف المواقف*
إن المملكة، بما تستقبله من حجاج ومعتمرين وزوار من مختلف البلدان والثقافات، تدرك أن اختلاف الجنسيات والآراء والمواقف لا يسقط حق الإنسان في الأمن والكرامة. فالخلاف السياسي لا يبرر الغدر، والاختلاف الفكري لا يمنح أحدًا حق الاعتداء، والانتماء الوطني أو المذهبي لا يجوز أن يكون سببًا لاستهداف الأبرياء.
ومن المهم التمييز بين الشعوب والجهات التي تتخذ قراراتها، وبين المدنيين ومن يثبت تورطهم في أعمال عدائية. فالموقف الحازم من التهديد والاعتداء لا يتعارض مع احترام الإنسان، بل يستند إلى مبدأ واضح: حماية الأبرياء ومحاسبة المسؤولين عن أفعالهم وفق الأدلة والأنظمة.
ولذلك فإن نصرة الحرمين لا تكون بالتحريض ولا بنشر الشائعات ولا بإثارة الكراهية، وإنما باحترام قدسيتهما، ورفض الاعتداء عليهما، ودعم كل جهد مسؤول يحفظ الأمن ويصون الأرواح.
*المواطنون والمقيمون… صف واحد خلف أمن الوطن*
إن أمن المملكة ليس مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة، يشارك فيها المواطنون والمقيمون بالوعي والالتزام والتعاون مع الجهات الرسمية، وعدم تداول الأخبار غير الموثوقة أو المقاطع المضللة، والإبلاغ عن المخاطر عبر القنوات المعتمدة.
وفي أوقات التوتر، تتضاعف أهمية الوعي؛ فالشائعة قد تثير الذعر، والمعلومة غير الدقيقة قد تضر بالأمن، والتحريض قد يوسع دائرة الخلاف بدلًا من احتوائه. أما الموقف المسؤول، فيقوم على الثقة بالمعلومات الرسمية، واحترام الأنظمة، والوقوف مع كل جهد يحمي الوطن وسلامة الإنسان.
إن وحدة الصف خلف القيادة، والتكاتف بين المواطنين والمقيمين، والوعي بمخاطر التحريض والتضليل، تمثل عناصر قوة تسند مؤسسات الدولة في أداء واجبها، وتحفظ للمجتمع أمنه واستقراره.
*خطوط حمراء… وحزمٌ في حماية المقدسات والأرواح*
إن أمن المملكة العربية السعودية، وسلامة حدودها، وحرمة الحرمين الشريفين، أمور لا تقبل الاستهانة أو الاستخدام في المزايدات السياسية. وأي تهديد موثوق يستوجب التعامل معه بجدية، واتخاذ الإجراءات المشروعة والمتناسبة لحماية الأرواح والمقدسات، ومحاسبة المتورطين وفق الأدلة والأنظمة.
ولا يعني الحزم الدعوة إلى الكراهية أو الانتقام، بل يعني منع الاعتداء، وحماية المدنيين، وردع من يهدد الأمن، وصون حق المسلمين في أداء عباداتهم بأمان. فالقوة الحقيقية هي التي تجمع بين القدرة على الدفاع، والحكمة في اتخاذ القرار، والعدل في تحديد المسؤولية.
لقد مضت القرون منذ حادثة أصحاب الفيل، وبقيت مكة المكرمة قبلة المسلمين، وبقيت المدينة المنورة موضع محبة وتوقير في قلوبهم. واليوم، تتجدد مسؤولية حماية هذه المقدسات، وتتعاظم أهمية أن يقف العالم الإسلامي ضد كل من يهدد أمنها أو يروّع قاصديها.
فمن أراد نصرة الإسلام، فليحفظ دماء المسلمين، ومن ادّعى الدفاع عن المقدسات، فليصن حرمتها، ومن أراد السلام، فليبتعد عن التحريض والاعتداء. أما الغوغاء ومن يقودهم إلى تهديد الحرمين الشريفين، فعليهم أن يدركوا أن قدسية هذه البقاع أعظم من شعاراتهم، وأن أمن المسلمين ليس مجالًا للمغامرة، وأن حماية الأرواح والمقدسات مسؤولية لا تقبل التهاون.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ الحرمين الشريفين وقاصديهما، ووفّق قيادتها ورجالها لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وجعل هذه الأرض المباركة دار أمن وسلام للمسلمين والإنسانية جمعاء.
للتواصل : [email protected]



