مسجد ذي القرنين ومحيطه الأثري.. شواهد تنتظر التنقيب والدراسة

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
يمثل مسجد ذي القرنين في أبها ومحيطه الأثري مجالًا للبحث في تاريخ المكان وعلاقته بالعمران والماء والذاكرة الاجتماعية. وتدعو الشواهد المحيطة به، من أطلال منشآت وآثار مدفونة ونقوش ورسوم صخرية، إلى دراسة تتجاوز حدود بناء المسجد، وتبحث في الصلات بين هذه المعالم ومراحل استخدامها.
وتعود معرفتي بالمسجد إلى سنوات الطفولة، حين كان المكان ومحيطه مقصدًا لأهالي مدينة أبها للتنزه، وكان غديره المعروف بـ«غدير ذي القرنين»، المحاط بالنخل، من معالمه البارزة. وتربطني بهذا الغدير حكاية حفظتها من والدي الشيخ عبدالله، رحمه الله رحمة واسعة؛ فقد سقطت فيه وأنا طفل فأنقذني. ولصغر سني آنذاك لا أتذكر الحادثة، لكنها بقيت حاضرة في نفسي من خلال حديثه المتكرر عنها، وما كان يستعيده معها من خوف عليّ؛ وكيف لا، وقد كنت يومها ولده الوحيد، وهو يقترب من الخمسين عامًا. وقد وقعت هذه الحادثة في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، وبقيت حكايتها تصلني بالمكان، وتستحضر في قلبي حنان أبي وعظيم محبته، رحمه الله وغفر له.
وقد عُرف الغدير بعمقه، واستمرار جريان الماء في وادي أبها وبقائه في الغدير خلال أواخر القرن الرابع عشر الهجري وبدايات القرن الخامس عشر، بحسب روايات من عاصروا تلك الأيام الخوالي، وما زالوا يستذكرون أزهار تلك البقعة من الأرض وروائحها الفوّاحة، وما كان يجمعه محيطها من جمال الطبيعة وألفة المكان.
ومع مرور السنوات، اتسع اهتمامي بالموقع وما يحيط به. ومن مشاهداتي ومعرفتي به أن إلى الغرب من المسجد جبلًا يطل عليه، وفيه أطلال مبنى يُظن أنه قبر، دون الجزم بحقيقته أو نسبته. ويقع هذا الموضع حاليًا، بحسب معرفتي، ضمن مخطط استثماري لأمانة منطقة عسير، مما يستدعي إدراجه ضمن المسح الأثري، والتنسيق بين الأمانة والجهات المختصة للتحقق من طبيعته وقيمته التاريخية، ومراعاة نتائج الدراسة عند تخطيط الأعمال الاستثمارية وتنفيذها.
ولم يكن المسجد، بحسب ما عرفناه من حال الموقع، ملاصقًا لقرية مأهولة أو تجمع سكاني، بل كان قائمًا منفردًا؛ وإلى شماله آثار قرية طُمست ودُفنت، بحسب الروايات المحلية، بفعل تعديات العابثين بالآثار، وتقع إلى شمال تلك الآثار مواضع للنقوش والرسوم تستحق الحصر والتوثيق والدراسة.
أما إلى الجنوب، فيقع جبل «النصباء»، وتعلوه أطلال قلعة، وتنتشر فيه نقوش ورسوم صخرية، منها رسوم للخيول والإبل وتصويرات بشرية، وتكثر فيه رسوم الأيادي ذات الأصابع المفتوحة، إلى جانب رسوم أخرى. وربما ربطت بين هذه المواضع طرق مرصوفة، وكان الموقع على إحدى محاجّ الحج أو مسارات القوافل؛ وهي احتمالات تحتاج إلى البحث الميداني والدراسة الأثرية للتحقق منها، وتحديد طبيعة الصلات بين المسجد والقلعة والقرية ومصدر الماء.
كما تتناقل الروايات الشفهية أن المسجد كان مقصدًا للصلاة لبعض أهالي المنطقة والقادمين من خارجها، وأن ارتياده استمر حتى ما قبل أكثر من مئة عام تقريبًا. وهذه روايات جديرة بالجمع والتوثيق والمقارنة بما تكشفه المصادر والشواهد المادية، مع حفظ الفارق بين الرواية الشفهية والنتيجة التاريخية المثبتة.
ويحضر الموضع في المصادر التاريخية؛ فقد ذكر الهمداني في كتابه «صفة جزيرة العرب»، الذي يعود تأليفه إلى النصف الأول من القرن الرابع الهجري، الموافق للقرن العاشر الميلادي، قبرًا منسوبًا إلى ذي القرنين بأبها، فقال: «وهي أبها وبها قبر ذي القرنين فيما يقال عثر عليه على رأس ثلاثمئة من تاريخ الهجرة». وهذا ذكر يعود إلى نحو أحد عشر قرنًا، ويشهد على قِدم تداول الرواية، مع ضرورة مراعاة عبارة «فيما يقال»، التي تدل على نقل الخبر دون الجزم بصحة النسبة.
ومن المهم التفريق بين قِدم الرواية، وتاريخ الموضع، وعمر بناء المسجد ومراحل عمارته؛ فلكل مسألة أدلتها. ولا يكفي ورود خبر القبر عند الهمداني لإثبات تاريخ بناء المسجد القائم، كما أن تقدير عمر بقايا البناء لا يحسم تاريخ استخدام المكان كله. وقد تتعاقب على الموقع عمارات ووظائف مختلفة، لا تتضح إلا بالدراسة الأثرية ومقارنة نتائجها بالمصادر المكتوبة.
وقد حظي الموقع بلقاءات ومقالات عديدة تناولت تاريخه وما ارتبط به من روايات وتساؤلات. ومن أجمل تلك اللقاءات، بحسب ما نُقل إليّ، لقاء للأستاذ الباحث المميز عبدالكريم بن علي آل أحمد القحطاني مع الأستاذ أنور خليل، رحمه الله، وإن لم أحظَ بمشاهدته والاطلاع على مضمونه. وقد جمعتني بالأستاذ عبدالكريم جلسة كان لنا فيها حديث ممتع عن المسجد وبعض جوانبه. والجدير بالذكر أن له جهودًا تُذكر فتُشكر في خدمة تاريخ المنطقة وآثارها وتراثها، تستحق التقدير والإشادة. أما ما وقفت عليه من تناول صحفي، فمنه استطلاعات الأستاذ أنور خليل، رحمه الله، وحديثه عن الموقع. وهي جهود تستحق الجمع والإتاحة، لتكون عونًا للباحثين والمهتمين.
وفيما يتعلق بالشواهد المحيطة بالمسجد، فربما لم يطّلع عليها المختصون، أو أنهم اطّلعوا عليها ولم نقف على أعمالهم ودراساتهم المرتبطة بها. ومن ثم، فإن جمع ما أُنجز عن الموقع يمثل خطوة مهمة، تتيح البناء على الجهود السابقة وتحدد ما يحتاج إلى استكمال.
وأرى، استنادًا إلى مشاهداتي، أن النطاق الذي ينبغي دراسته وحمايته بوصفه محيطًا أثريًا للمسجد أوسع من حدوده الحالية؛ بحيث تُضم المواضع المحيطة إلى نطاق المسح والتوثيق، وتُحدد صلتها به علميًا. ويشمل ذلك الآثار المدفونة شمال المسجد، والنقوش والرسوم الواقعة شمالها، وجبل النصباء جنوبه بما يضمه من أطلال قلعة ونقوش ورسوم، والجبل الغربي وموضع الغدير، وما قد يُكشف عنه من مسارات قديمة تربط بينها.
ومن هنا، أوجّه دعوة إلى هيئة التراث، والمختصين في الآثار، وجامعة الملك خالد، وأمانة منطقة عسير، والباحثين والمهتمين بتراث المنطقة وتاريخها، لتكامل الجهود في الاهتمام بهذا الموقع ومحيطه؛ بجمع الدراسات السابقة، وإجراء مسح أثري شامل، وتوثيق النقوش والرسوم والمنشآت، وتسجيل الروايات الشفهية والصور القديمة، وتحديد نطاق الحماية على أسس علمية.
وتبرز أهمية التنقيب الأثري المنظم في الآثار المدفونة شمال المسجد، بإشراف الجهات المختصة، للكشف عن طبيعة المنشآت ومراحل الاستيطان، بالتوازي مع دراسة أطلال القلعة والرسوم والنقوش في جبل النصباء والمواضع الشمالية، دون افتراض انتماء جميع الشواهد إلى عصر واحد. كما يستحق الموضع الواقع ضمن المخطط الاستثماري عناية مشتركة تضمن دراسة شواهده ومراعاة قيمتها الأثرية قبل تنفيذ الأعمال التي قد تمسها.
إن وجود المسجد وآثاره القائمة، وما يحيط به من شواهد، وارتباطه بالموروث الديني والاجتماعي المحلي، يمنحه قيمة تستحق الحفظ والتعريف والاستثمار الثقافي والسياحي المدروس. ويمكن أن يسهم توثيقه وتأهيله وإعداد محتوى علمي واضح عنه في توسيع حضوره إعلاميًا وسياحيًا، وتقديمه لأهالي المنطقة وزوارها بوصفه موقعًا يجمع الأثر والطبيعة والذاكرة.
فمسجد ذي القرنين ومحيطه يحتفظان بأسئلة تاريخية تستحق الإجابة، وشواهد تستحق الصون. والعناية بهما عمل تشترك فيه المؤسسات والباحثون والمجتمع، ليبقى من ذاكرة أبها أثر محفوظ، وتاريخ تزداد معرفتنا به على ضوء البحث والدليل.



