الوطن نبض لا يغيب

✍️د . آمنه ال عبدالسلام ـ كاتبة عمانية :
ليس الوطن بقعةً من الأرض نعيش عليها فحسب، ولا حدودًا جغرافيةً تفصل مكانًا عن آخر، بل هو حكاية العمر، وذاكرة الروح، والجذور التي تضرب في أعماق الوجدان، فتمنح الإنسان هويته، وتشدّه إلى تاريخه، وتفتح أمامه آفاق المستقبل. إنّه الانتماء الذي لا تحدّه المسافات، والحب الذي لا تُضعفه الأيام، والرابطة التي تظلّ متينةً مهما تباعدت الخطى وتغيّرت الأحوال.
إنّ أغلى ما يملك الإنسان في هذه الحياة وطنه؛ ففيه نشأ، وعلى أرضه خطا خطواته الأولى، وبين أرجائه تشكّلت ملامح ذاكرته، وتفتّحت أحلامه، وتكوّنت معالم شخصيته. وحبّ الوطن يجري في العروق مجرى الدم، ويسكن القلب سكنى الروح في الجسد؛ فلا يحتاج المرء إلى مناسبة يستدعي فيها مشاعره نحوه، ولا إلى كلمات يتكلّف بها التعبير عن وفائه له، فالوطن حاضر في وجدانه حضور النبض في القلب، وإن غاب عن ناظريه.
وما أشدّ حنين الإنسان إلى وطنه حين تُباعد بينه وبينه المسافات! فما إن يبتعد عنه حتى تتسلّل إلى روحه أشواق لا يطفئها انشغال، ولا تبدّدها متعة عابرة. يحنّ إلى تفاصيله الصغيرة قبل معالمه الكبيرة، وإلى وجوه أهله قبل طرقاته، وإلى رائحة أرضه، ولهجة أبنائه، ودفء مجالسه، وذكرياته التي تركها في زواياه. عندئذٍ يدرك أنّ للوطن في النفس مكانةً لا يملؤها مكان آخر، وأنّ بعض الأشياء لا تُعرف قيمتها كاملةً إلا حين نبتعد عنها.
وليس غريبًا أن تضيق النفس ببعد الوطن، أو أن يفيض القلب شوقًا إليه؛ فالوطن ليس مكانًا نغادره ثم نمضي في حياتنا كأنّ شيئًا لم يكن، بل هو جزء من تكويننا، نحمله معنا أينما ارتحلنا، ونستحضره في أحاديثنا وذكرياتنا وأمانينا. وقد تطول الغربة، وتتبدّل الوجوه، وتتسع آفاق الحياة، غير أنّ في أعماق الإنسان صوتًا خفيًّا يظلّ يناديه إلى موطنه الأول، حيث الطمأنينة التي لا تشبهها طمأنينة، والألفة التي لا تعوّضها ألفة.
غير أنّ حبّ الوطن، على عظمته، لا ينبغي أن يظلّ حبيس العاطفة، ولا أن يقتصر على الأناشيد والشعارات ومظاهر الاحتفاء؛ فالحبّ الصادق موقف ومسؤولية، والاعتزاز الحقيقي انتماءٌ يُترجَم إلى عمل. إنّما نفخر بأوطاننا حين نكون أوفياء لقيمها، حريصين على مقدّراتها، محافظين على وحدتها، مخلصين في أداء واجباتنا، مجتهدين في أعمالنا، صادقين في أقوالنا، حريصين على أن نكون لبناتٍ صالحةً في بنائها ونهضتها. فالوطن الذي يمنحنا هويتنا وأمننا وكرامتنا، جديرٌ منّا بأن نردّ له بعض فضله بالعمل والإخلاص والعطاء.
وإنّ من أسمى صور الوفاء للوطن أن نصون مكتسباته، ونحترم أنظمته، ونحافظ على موارده، ونغرس في الأجيال الناشئة معاني الانتماء المسؤول، ونعلّمهم أنّ الأوطان لا تُبنى بالأمنيات وحدها، بل بسواعد أبنائها، ووعيهم، وتكاتفهم، وإيمانهم بأنّ مستقبل الوطن أمانةٌ تتوارثها الأجيال. فكلّ جهد مخلص، وكلّ كلمة مسؤولة، وكلّ عمل نافع، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يكون لبنةً في صرح وطنٍ يستحقّ أن نعتزّ به.
ووطني مفخرتي؛ لأنّه ليس مجرّد اسم أعتزّ به، بل تاريخ أنتمي إليه، وهوية أحملها، وأرض أستمدّ منها جذوري، وراية أراها رمزًا للعزّة والكرامة. أفتخر به في حضوري وغيابي، في إقامتي وترحالي، وأحمل صورته في قلبي أينما اتجهت. وإذا سألتني الأيام عمّا أعتزّ به، قلت: وطني؛ وإذا خيّرتني المسافات بين القرب والبعد، ظلّ قلبي معلّقًا بأرضه، وإذا نادتني المسؤولية، أجبت بأنّ حبّ الوطن ليس امتيازًا نتغنّى به، بل أمانةٌ نؤدّي حقّها.
سيبقى الوطن في القلب ما بقي النبض، وفي الذاكرة ما بقيت للحياة حكاية، وفي الروح ما بقي للإنسان انتماء. وسنظلّ نعود إليه شوقًا إن غبنا، ونحميه وفاءً إن حضرنا، ونعمل من أجله إخلاصًا في كلّ حين؛ لأنّ الأوطان العظيمة لا تصنعها الأرض وحدها، بل يصنع عظمتها أبناؤها حين يحبّونها بصدق، ويخلصون لها عملًا، ويجعلون رفعتها غايةً يسعون إليها.
وطني مفخرتي، وعزّي وانتمائي؛ به أعتزّ، ومنه أستمدّ جذوري، وله أهب إخلاصي، وفي رفعة شأنه أرى صورةً من أسمى صور الوفاء للحياة.
للتواصل : [email protected]



