حلمتُ …. أن أبي عاد

✍️سلطان عبدالرحمن الفارسي – سلطنة عُمان:
لم يطرق الباب، ولم يخبرني أحدٌ بقدومه؛ وجدته واقفًا أمامي كما كان، بملامحه التي أحفظها عن ظهر قلب، وبصوته الذي اشتقت إليه حتى صار يزورني في ذاكرتي كلما ضاق بي الحنين.
في الحلم، لم أسأله أين كان، ولم أعاتبه على طول الغياب. اقتربتُ منه كطفلٍ أضاع طريقه ثم وجد يد أبيه، وجلستُ بقربه أستمع إليه، كأنني أخشى أن أغمض عيني فيختفي. كان حضوره كافيًا ليهدأ كل شيء داخلي؛ لا وجع، لا خوف، ولا ذلك الفراغ الذي تركه رحيله في البيت وفي قلبي.
رأيته يمشي في المكان، فعادت التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أعلم أنها ستصبح يومًا أثمن ما أملك: وقع خطواته، صوته وهو يناديني، وجوده الذي كان يجعل البيت بيتًا. حتى عصاه التي ما زالت في مكانها بدت في الحلم كأنها تنتظره، وحتى المكان الذي اعتاد أن يضع فيه حذاءه لم يعد موحشًا.
أردتُ أن أقول له إنني اشتقت إليه، لكن الكلمات علقت في صدري. أردتُ أن أخبره عن الأيام التي مضت بعده، عن الأشياء التي تمنيت لو رآها، وعن اللحظات التي احتجت فيها إلى كلمةٍ منه أو دعاء. غير أنني اكتفيت بالنظر إليه؛ فبعض الشوق أكبر من الكلام، وبعض اللقاءات لا تحتملها الكلمات.
ثم استيقظت.
مددتُ يدي إلى المكان الذي كان فيه، فلم أجد إلا وسادتي ودمعةً سبقتني. عاد كل شيء كما كان: البيت صامت، ومكانه خالٍ، والحقيقة أقسى من أن يبددها حلم. لكنه ترك في قلبي شيئًا من الطمأنينة؛ فقد رأيته، ولو لثوانٍ، وشعرت أن أبي لم يغب عن روحي كما غاب عن عيني.
يا أبي، حلمتُ بك فعاد إليّ شيءٌ من الأمان، ثم صحوتُ فعرفت كم أفتقدك. ما زلت أبحث عنك في تفاصيل البيت، وفي الدعاء، وفي كل موقفٍ تمنيت لو كنت حاضرًا فيه. رحلتَ عن الدنيا، لكنك بقيت في قلبي أبًا لا يغيّبه موت، ولا يطفئه غياب.
اللهم ارحم أبي، واجعل نومه في قبره راحةً وسلامًا، واجمعني به في دارٍ لا فراق فيها. وإذا زارني في حلمٍ آخر، فامنحني وقتًا أطول لأقول له: اشتقت إليك يا أبي.
للتواصل : [email protected]



