مقعد الراكب.. الرحلة التي أربكتني

✍️ خضر الثقفي-كاتب راي :
كنت أظن أنني ذاهب لصيانة سيارة، فاكتشفت أنني أنا من يحتاج صيانة
الساعة 8:00 صباحاً. أقف أمام باب البيت أنتظر زوجتي لتنزل. المفاتيح في يدها، ليس في يدي. وهذه وحدها كانت لحظة تاريخية. لأول مرة ، سأكون أنا الراكب وهي السائق.
منذ أن سُمح للمرأة بالقيادة، وأنا أسمع النكات، وأرى المقاطع، وأردد مثل غيري: “الله يستر”. لكنني لم أجرب. اليوم سأجرب.
نزلت وهي تنظر إلى ساعتها بطريقة غريبة، نظرة قلق حقيقي. سألتها: “خير؟”
قالت: “لازم نوصل 8:30 بالضبط”.
قلت ضاحكاً: “وكالة يا بنت الحلال، مو طيارة، لو تأخرنا 10 دقائق بيروح الموعد؟”
توقفت ونظرت إلي نظرة لم أفهمها وقتها وقالت جملة صفعتني:
*”إذا جينا بدري أخذنا دور واحد جاي على وقته، وإذا تأخرنا أخرنا اللي بعدنا. دوري 8:30 يعني 8:30″*
سكتُّ. أنا الرجل الذي يعتبر الموعد 8:30 يعني ما بين 8:30 إلى 9:15، أقف أمام امرأة تعتبر الوقت أمانة، والدور حق.
ركبنا. وهنا بدأ الفيلم.
*الاختبار الأول: الطريق*
قبل أن تتحرك، سمعت صوتين. الأول “تك” حزامها، والثاني “تك” حزامي. التفتت وقالت: “الحزام”. كأنها معلمة سياقة.
انطلقنا. يداها الاثنتان على المقود، في وضعية الساعة العاشرة والثانية تماماً كما في كتب المرور التي لم أفتحها منذ 30 سنة. عيناها على المرايا، على الطريق، على لوحة السرعة.
حاولت أفتح معها سالفة، كعادتي في السيارة، فقالت دون أن تلتفت: “دقيقة، في دوار”. وسكتت حتى تجاوزت الدوار بإشارة، وتهدئة، ونظرة جانبية.
لم تلمس جوالها ولا مرة. جوالي أنا يرن مرتين في الدقيقة.
أنا أقود منذ أن كان عمري 17. أقود بيد واحدة، والثانية على النافذة، وأغير المسار دون إشارة إذا كان الشارع فاضياً، وأقول “ما فيها شيء”. هي تقود منذ سنتين، وتتعامل مع كل انعطاف كأنه قرار مصيري.
فجأة سألت نفسي: من فينا المتهور فعلاً؟
*الاختبار الثاني: موقف السيارات*
وصلنا الوكالة. هنا كنت أنتظر أن تفشل. مواقف الوكالة ضيقة ومزدحمة. توقعت أن تقول “نزلني هنا وأوقف أنت”.
لا. دارت دورة كاملة، وتجاهلت فراغاً صغيراً خلف سيارة واقفة بشكل خاطئ. سألتها: “هذا فاضي!”
قالت: “لو وقفت وراها، سكرت عليه. بدور موقف نظامي”.
وجدت موقفاً في آخر المواقف، بعيداً عن المدخل، ومشت تحته الشمس. الشباب يوقف فوق الرصيف ويقول “ما بطول”. هي مشت 50 متراً إضافياً حتى لا تؤذي أحداً.
بدأت أشعر أنني لست مع زوجتي، أنا مع نسخة مطورة مني، نسخة أكثر تهذيباً.
*الضربة القاضية: داخل الوكالة*
دخلنا للاستقبال. الموظف الشاب استقبلنا بابتسامة آلية. أدخل رقم اللوحة وقال بثقة الموظف الحافظ:
“مدام سيارتك ماشية 16 ألف فقط، أنتِ مسوية صيانة على 10 آلاف، باقي لك 4 آلاف، ليه جاية بدري؟ المفروض على 20 ألف”.
كنت سأقول “يلا نرجع، كلامه منطقي”. لكنها قالت بكل هدوء:
“لا. أنا ما أسوي صيانة الـ 10 آلاف لما أوصل 15 ألف. أنا أسوي صيانة الـ 15 ألف لما أوصل 10 آلاف. أسويها مقدماً، مو متأخرة”.
الموظف عقد حاجبيه وفتح السجل. سكت ثانيتين ثم رفع رأسه مندهشاً: “صحيح… أنتِ فعلاً مسوية صيانة 15 ألف على 10 آلاف… أنتِ مسجلة عندنا عميلة صيانة استباقية”.
استباقية. هذه الكلمة بقيت ترن في أذني.
ثم جاءت الورقة. ورقة التوقيع. تلك الورقة التي أوقعها أنا في البنوك وشركات الاتصالات دون أن أقرأ منها حرفاً، وأسأل فقط “وين التوقيع ومتى تخلص؟”
هي أمسكتها وقرأتها. سطراً سطراً. وسألت: “وش نوع الزيت اللي بتحطونه؟ هل بيشمل وزن الأذرعة؟ هل تنظيف الفلتر داخل الضمان؟”
الموظف نفسه ارتبك، لأنه تعود أن العملاء يوقعون ولا يسألون.
في تلك اللحظة، شعرت بالخجل. خجل حقيقي. أنا الرجل، صاحب الخبرة، صاحب التوقيعات الكثيرة، أكتشف أنني طوال حياتي أوقع على بياض، وهي، المرأة التي كنت أخشى أن تقود بي، لا تترك حرفاً يمر دون فهم.
*الخلاصة التي أوجعتني*
في طريق العودة، كنت أنا نفس الرجل، لكن بعقل مختلف. سألتها: “من علمك كذا؟”
قالت: “ما حد علمني، بس إذا ما حرصت على سيارتي، من بيحرص عليها؟ وإذا ما احترمت دور غيري، ليه أزعل إذا أحد ما احترم دوري؟”
فهمت.
نحن الرجال تربينا على فكرة “الإنجاز”. أوصل بأسرع وقت، خلص المعاملة بأسرع طريقة، وقع وامش. نركز على خط النهاية ونهمل تفاصيل الطريق.
النساء – وأنا أقولها بعد تلك الرحلة – تربين على فكرة “الرعاية”. أن ترعى الوقت، ترعى الدور، ترعى السيارة، ترعى الورقة التي توقعها، ترعى حتى السيارة التي خلفها في الموقف.
هل النساء أحرص من الرجال؟
لا أستطيع أن أعمم على 4 مليار امرأة و 4 مليار رجل. لكن أستطيع أن أقول ما رأيته بعيني: في ذلك اليوم، في تلك السيارة، من بيتنا إلى الوكالة، كانت المرأة أكثر حرصاً، أكثر دقة، وأكثر احتراماً للطريق وللناس ولنفسها من الرجل الجالس بجانبها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت إذا ركبت معها، أربط الحزام قبل أن تقولها، وأقرأ الورقة قبل أن أوقع، وأبحث عن الموقف النظامي.
لأن بعض الرحلات لا توصلك إلى الوكالة فقط، بعض الرحلات توصلك إلى نفسك.
للتواصل : [email protected]



