أنت تعرف.. ونحن لا نعرف

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
هل سبق أن انتظرت سيارة عند تقاطع، ثم اكتشفت أنك كنت تنتظرها دون حاجة؟
قد يبدو السؤال غريباً، لكن الموقف يتكرر أمامنا كثيراً.
تقف بمركبتك تنتظر مرور سيارة قادمة، وتراقب اقترابها حتى تتمكن من الخروج بأمان، ثم تتفاجأ بأنها انعطفت يميناً دون أن يستخدم قائدها إشارة الانعطاف.
تمضي السيارة في طريقها، وتبقى أنت تتساءل: لماذا لم يخبرني بأنه سينعطف؟
والغريب أن قائد المركبة يعرف وجهته منذ البداية، ويدرك أنه سيغير اتجاهه، لكنه يتصرف وكأن الآخرين يعرفون ما يعرفه.
وهنا تكمن المفارقة.
أنت تعرف أنك ستنعطف، لكن كيف تريد مني أن أعرف ذلك؟
إن إشارة الانعطاف ليست مجرد ضوء في المركبة، وإنما وسيلة تخبر بها الآخرين عما تنوي فعله قبل أن تفعله.
ومع ذلك، نجد من يتجاهل استخدامها تماماً، ومن لا يتذكرها إلا بعد أن يبدأ الانعطاف، وكأن الإشارة جاءت لتخبرنا بما رأيناه بالفعل.
والمسألة لا تتعلق بثوان نخسرها عند التقاطع، وإنما بسلوك يتكرر حتى أصبح مألوفاً، رغم أن تجنبه لا يحتاج إلى أكثر من حركة بسيطة.
ولا يقتصر الأمر على التقاطعات، فنراه عند تغيير المسارات والدخول إلى الدوارات والخروج من الطرق الرئيسية، حين يفاجئ بعض السائقين الآخرين بقرارات لم يسبقها أي تنبيه.
وربما يظن البعض أن استخدام الإشارة أمر لا يستحق كل هذا الاهتمام، لكن ما يبدو تفصيلاً صغيراً لقائد المركبة قد يكون معلومة مهمة لسائق آخر ينتظرها.
ولعل ما يستحق التأمل أننا نعرف أهمية الإشارة، ونعرف كيف نستخدمها، لكننا لا ندرك دائماً أهمية استخدامها في الوقت المناسب.
فالإشارة التي تأتي بعد الانعطاف لا تخبر الآخرين بما سيحدث، وإنما تؤكد لهم ما حدث بالفعل.
ولعل هذا المشهد لا يختلف كثيراً عما نعيشه خارج الطرقات.
فكم مرة غير أحدهم موقفه دون أن يوضح أسبابه، ثم استغرب أن الآخرين لم يفهموه؟ وكم مرة اتخذنا قراراً نعرف دوافعه جيداً، وتوقعنا ممن حولنا أن يدركوا ما لم نخبرهم به؟
نحن أحياناً نتصرف وكأن ما يدور في داخلنا واضح لمن حولنا، وننسى أن الآخرين لا يرون أفكارنا، وإنما يرون تصرفاتنا، ولا يعرفون نوايانا إلا بالقدر الذي نكشفه لهم.
وربما لهذا تنشأ بعض المسافات بين الناس، لا لأن أحدهم أراد الابتعاد، وإنما لأن أحدهم غيّر اتجاهه دون أن يخبر الآخر، فظل الآخر ينتظر في مكان لم يعد أحد قادماً إليه.
والمفارقة أننا قد نلوم الآخرين على سوء فهمهم لنا، مع أننا لم نمنحهم ما يكفي ليفهمونا.
فليس كل من تأخر في فهمك قليل الإدراك، وربما كنت أنت من افترض أن ما تعرفه عن نفسك يعرفه الجميع.
وهنا نعود إلى الطريق من جديد.
فليس المطلوب أن نثق بكل إشارة نراها دون التأكد من سلامة الطريق، لكن من حق مستخدمي الطريق أن تكون تحركاتنا واضحة قدر الإمكان.
وربما لو أدرك كل قائد مركبة أن الآخرين لا يعرفون وجهته كما يعرفها هو، لأصبحت تلك الحركة الصغيرة عادة لا تحتاج إلى تذكير.
فحين أقف عند تقاطع أنتظر مرورك، لا أطلب منك أن تخبرني إلى أين تنتهي رحلتك، وإنما أن تخبرني أين ستنعطف.
وكذلك في حياتنا، لسنا مطالبين بأن نشرح كل ما يدور في داخلنا، لكن علينا ألا نتوقع من الآخرين أن يفهموا ما لم نقله لهم.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن بعض الانتظار لم يكن ضرورياً، وبعض سوء الفهم لم يكن ليحدث، لو أننا أدركنا أن وضوح الأمور في أذهاننا لا يعني وضوحها في أذهان الآخرين.
فأنت تعرف إلى أين ستذهب، ونحن لا نعرف.
وهذا ما ننساه أحياناً، على الطريق وفي الحياة.
للتواصل : [email protected]



