كتاب الرأي

الصبر جمال الروح حين يشتد البلاء

          ✍️علياء الغامدي-كاتبة سعودية :

الصبر ليس أن تطفئ في قلبك لهيب الألم،ولا أن تخفي خلف ابتسامتك ألف وجع،ولا أن تمضي في الحياة كأن شيئا لم يكن بل الصبر أن تتألم ولا تيأس،وأن تنكسر ولا تسقط، وأن تضيق بك الأرض بما رحبت،ثم تبقي في قلبك نافذة صغيرة يطل منها الأمل.

ما أعظم الصبر حين يكون المرء قادرا على الشكوى،ثم يؤثر الصمت لا ضعفا بل يقينا بأن بعض الأوجاع لا تليق بها الكلمات،وأن بعض الأقدار لا يجدي معها الاعتراض،وأن لليل مهما طال نهاية،وللدمع مهما انهمر جفافا،وللجرح مهما تعمق شفاء قد يأتي على مهل، لكنه يأتي.

إن الصبر مقام النبلاء،وملاذ القلوب التي أتعبتها الحياة ولم تفسدها،وسلاح من أدرك أن العجلة لا تعيد غائبا،ولا تصلح ماضيا، ولا تنضج ثمرا قبل أوانه.فكم من أمنية تأخرت، وكانت في تأخرها حكمة،وكم من باب أغلق، وكان وراء إغلاقه نجاة،وكم من دمعة ظن صاحبها أنها آخر ما يملك، فإذا بها تغسل روحه من غبار الخيبات،وتهيئه لبداية لم يكن يتخيلها.

وليس الصابر من لا يحزن،فالحزن طبيعة البشر،ولا من لا يضعف، فالضعف ساعة من ساعات الروح إنما الصابر من إذا أثقلته الأيام، لم ينس ربه،وإذا خذلته الأسباب، لم يفقد رجاءه، وإذا أبطأ الفرج،لم يظن أن الرحمة قد غابت.يعلم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها،وأن مع العسر يسرا، وأن ما عند الله خير وأبقى.

يا صاحبي،لا تستعجل قطاف العمر فالأشجار لا تثمر في يوم، والأنهار لا تشق طريقها إلى البحار بلا عوائق،والذهب لا يزداد نقاء إلا بالنار.كذلك الإنسان:تهذبه الشدائد،وتكشف له المحن حقيقة الأشياء،وتعلمه الخيبات ألا يعلق قلبه بما يفنى،وألا يستمد قيمته من رضا الناس،وألا يجعل من عثرة واحدة حكما على الطريق كله.

اصبر، وإن طال الطريق، واهدأ، وإن اضطربت من حولك الحياة، وأحسن الظن بالله،وإن عجز عقلك عن إدراك الحكمة.فليس كل تأخير حرمانا،وليس كل فقد نهاية،وليس كل انكسار هزيمة فلعل في بعض ما تكره نجاة لا تراها، ولعل خلف الستار تدبيرا أجمل من كل ما تمنيت.

واعلم أن الصبر ليس انتظار الفرج فحسب بل هو أن تحفظ قلبك من القنوط حتى يأتي الفرج،وأن تبقى نقي الروح، كريم النفس،ثابت الخطى مهما حاولت الحياة أن تنتزع منك سلامك.

فإذا ضاقت بك الدنيا،فتذكر أن الفجر لا يستأذن الظلام كي يولد،وأن الربيع لا يعتذر للأرض عن طول الشتاء،وأن القلب الذي أحسن الصبر لا يعود من المحنة كما دخلها بل يعود أكثر حكمة،وأعمق إيمانا،وأشد معرفة بأن الأشياء الجميلة قد تتأخر، لكنها حين تأتي، تنسي الروح مرارة الانتظار.

فاصبر فما كل ما يتأخر يفوت،وما كل ما ينكسر ينتهي،ما دام في القلب دعاء،وفي الروح رجاء،وفي الله حسن ظن فثمة أمل يستحق أن تعيش لأجله.

ومن أبلغ ما قيل في الصبر قول الله تعالى:
﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾

وقوله سبحانه:
﴿فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا﴾
الصبر أن يمضي قلبك في درب الرجاء، وإن أثقلته أشواك الانتظار..”

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى