كتاب الرأي

الحضور عطاء

        ✍️بدرية المعجل- كاتبة سعودية :

ليست كل صور العطاء مالًا نبذله أو هدية نقدّمها؛ فثمة عطاء لا تحمله الأيدي، بل تصنعه القلوب حين تختار أن تكون قريبة. قد يكون حضورنا في لحظة ينتظرنا فيها أحدهم أبلغ من كلمات كثيرة، وقد يمنح إنسانًا متعبًا شعورًا بأنه ليس وحده، وأن ما يبذله من جهد يجد من يراه ويقدّره.

مؤلمةٌ دموع كاتب جاء يحمل خلاصة فكره ونبض قلبه، ثم وجد المقاعد أمامه خالية. خلف تلك اللحظة ساعات من الكتابة والمراجعة، وأيام من الترقّب، وأمل في لقاء قارئ يصغي، أو سؤال يفتح بابًا للحوار. ليست حاجته إلى التصفيق بقدر حاجته إلى أن تجد كلماته من يتلقّاها؛ فالإبداع، وإن بدأ في عزلة، يتطلع إلى مساحة يلتقي فيها بالناس.

حين نحضر من أجل صاحب الكلمة، فإننا لا نملأ مقعدًا فحسب، بل نجبر خاطرًا ونردّ للعطاء بعض حقه. إنصاتنا تقدير، وسؤالنا اهتمام، وقراءتنا الواعية امتداد لحياة النص. وقد يعود الكاتب من لقاء صغير أكثر اطمئنانًا، لأن قارئًا واحدًا فهم رسالته، وأخبره أن كلماته لامست شيئًا في حياته.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يقيس الكاتب قيمته بعدد الحاضرين، ولا أن يزن أثره بارتفاع الهتافات؛ فالمقاعد الخالية لا تحكم على جودة الكتاب، كما أن ازدحام القاعة لا يكفي وحده دليلًا على عمق المحتوى. وللغياب أسباب لا نعرفها؛ فقد تحول الظروف دون الحضور، وقد لا تصل الدعوة إلى المهتمين أصلًا. لذلك لا يكون كل غياب خذلانًا، ولا يكون الوفاء بصورة واحدة.

ومن الإنصاف أيضًا ألّا تُترك مسؤولية اللقاء على عاتق الكاتب وحده؛ فنجاح الفعاليات الثقافية ثمرة تعاون بينه وبين دار النشر والجهة المنظمة، من اختيار الموعد المناسب، إلى التعريف بالكتاب، والوصول إلى جمهوره المحتمل. فإتاحة المنصة خطوة، وبناء جسور اللقاء مع القراء خطوة أخرى تستحق العناية.

ولا يقتصر هذا العطاء على الأمسيات ومنصات التوقيع؛ فالحضور عطاء حين نصغي إلى طفل يروي حكاية يومه، ونشارك قريبًا فرحته، ونجلس إلى مريض، ونرافق صديقًا أثقله الحزن. وحين يتعذر اللقاء، قد تقوم رسالة صادقة أو مكالمة حانية ببعض ما يفعله القرب، إذا حملت اهتمامًا حقيقيًا.

فلنمنح من حولنا حضورًا واعيًا، لا أجسادًا منشغلة وهواتف تستأثر بانتباهنا. ولنقدّم ما نستطيع بصدق، دون مجاملة مرهقة أو وعد لا نفي به. فبعض المواقف تمضي، لكن شعور الإنسان بمن وقف إلى جانبه يبقى طويلًا؛ وهنا يصير الحضور عطاءً، ويصير العطاء أثرًا لا يزول.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى