من القائمة الخضراء إلى العالمية.. محمية جزر فرسان تتصدر مشهد الاستدامة الفطرية في المملكة

أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :
لم تعد المحافظة على الحياة الفطرية مسؤولية تقتصر على حماية الكائنات أو تنظيم دخول المحميات، بل أصبحت منظومة وطنية متكاملة تجمع بين المعرفة العلمية، والتقنيات الحديثة، وكفاءة الإدارة، والشراكة الرائدة مع المجتمع المحلي. وفي هذا التحول، يبرز دور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بوصفه جهة وطنية تعمل على حماية الموارد الطبيعية، وتعزيز استدامتها، والإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 والمبادرة السعودية الخضراء، وصولاً إلى حماية التنوع الأحيائي ورفع كفاءة إدارة المناطق المحمية.
ومن أبرز ملامح هذا التحول؛ التوسع في الخدمات الرقمية التي تيسر الوصول إلى الخدمات البيئية، وتنظم التعامل مع الحياة الفطرية. فإتاحة 13 خدمة عبر منصة “توكلنا” تمثل خطوة عملية في تقريب الخدمة من المستفيد، وتيسير الإجراءات, ورفع مستوى الشفافية والامتثال. وتشمل هذه الخدمات: التراخيص المرتبطة بالعرض والعبور والنقل والصيد، وشهادات الملكية، وزيارات المحميات والتخييم، وإدخال الكائنات من البحر، إلى جانب خدمات الاتجار بالكائنات الفطرية، وتجديد التراخيص وإلغائها، ونقل الملكية وإصدار بدل التالف أو الفاقد، فضلاً عن إصدار جوازات الصقور.
ولا تقاس قيمة هذه الخدمات بعددها وحده، بل بما تحققه من اختصار للوقت والجهد، وتحسين تجربة المستفيد، وتوثيق الإجراءات، وتوفير بيانات دقيقة تساعد على المتابعة والرقابة واتخاذ القرار. فالتقنية هنا ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لتطوير الإدارة البيئية، وتعزيز الالتزام بالأنظمة، والحد من الممارسات التي قد تضر بالحياة الفطرية أو تهدد استدامة مواردها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القيادة التنفيذية في تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى برامج ومبادرات قابلة للقياس، حيث يؤدي الرئيس التنفيذي للمركز، الدكتور محمد علي قربان، دوراً محورياً في قيادة هذا المسار، من خلال دعم العمل المؤسسي، وتعزيز توظيف التقنية والبيانات العلمية، وتوسيع الشراكات مع الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمؤسسات البحثية. كما تتصل هذه الرؤية بتمكين الاستثمار البيئي المسؤول، وفتح آفاق واعدة للسياحة البيئية والأنشطة المرتبطة بالمحميات، بما يحقق التوازن المنشود بين حماية الطبيعة وإيجاد فرص اقتصادية مستدامة.
وتزداد أهمية هذه القيادة حين تتجاوز النتائج حدود الإجراءات الداخلية إلى بناء علاقة أكثر فاعلية مع المجتمع المحلي. فنجاح المحميات لا يتحقق بالأنظمة والرقابة وحدهما، بل يحتاج إلى حوار مستمر مع السكان، ووضوح في اللوائح، وتفهم لاحتياجاتهم، وتوفير بدائل مناسبة للأنشطة التي قد تتأثر بإجراءات الحماية. وعندما يشعر المجتمع بأن له دوراً في التخطيط والتنفيذ، وأن المحافظة على البيئة تفتح أمامه فرصاً للتدريب والعمل والاستثمار، يصبح شريكاً حقيقياً في حماية الموارد لا مجرد متلقٍ للتعليمات.
ويأتي دور الأستاذ عبد المحسن الشنيف، مدير عام الإدارة العامة للدعم الفني، مكملاً لهذا التوجه من خلال الخبرة والتنظيم والذي اسهم في تطوير الجوانب الفنية والتنفيذية للمشروعات البيئية وتحسين العمل الداخلي والخارجي للمركز. ويعمل الشنيف على ايصال صورة الجهود، والاستماع للنقاشات في كافة المحافل الدولية والمحلية، وقد انعكس ذلك على التحسن الكبير في النتائج، وقد شارك الشنيف في منتدى جازان للاستثمار والذي تعد محمية فرسان واحدة من مقومات المنطقة.
ومن جانب آخر، يبرز دور الأستاذ عبد الله الطلاسات، مدير عام المحافظة على المناطق المحمية، في تعزيز حضور ملف المحميات ضمن النقاشات البيئية الدولية، والذي يبرز فيه الفهم العميق للشروط والانسمة والمتطلبات، وقد شارك ممثلا للوطن في العديد من المشاركات حول القوائم الخضراء ومن ذلك مشاركته في جلسة «المناطق المحمية والقائمة الخضراء» خلال مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) في الرياض. فإدارة المناطق المحمية لم تعد محصورة في تحديد النطاقات الجغرافية، بل باتت تشمل تطوير خطط الإدارة المتكاملة، وقياس فاعليتها، وتطبيق أفضل الممارسات العالمية، فضلاً عن تعزيز مشاركة الجهات ذات العلاقة والمجتمعات المحيطة بها.
وفي خضم هذا العمل المؤسسي، تظل الإنجازات الوطنية في المحميات مصدر اعتزاز وفرحة للوطن. ويأتي الاحتفاء بتسجيل محمية جزر فرسان كأول محمية سعودية في برنامج “الإنسان والمحيط الحيوي” التابع لليونسكو، وتتويجها الأحدث بالانضمام للقائمة الخضراء العالمية للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، مثالاً حياً لما تحققه الجهود السعودية في صون المواقع ذات القيمة الفطرية الفريدة. إن هذا “العرس البيئي الدولي” لفرسان لا يقتصر على كونه شهادة كفاءة للإدارة، بل يمثل منصة جذب علمية ومعرفية تستقطب العلماء والباحثين والمهتمين من أنحاء العالم، وهو ما يعزز بقوة حضور المملكة على خارطة السياحة البيئية المستدامة كمقصد متفرد يلهم الأجيال القادمة ويحفظ الموروث الطبيعي.
إن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال هذا التكامل بين الخدمات الرقمية، والقيادة التنفيذية، والدعم الفني، وإدارة المحميات، والشراكة المجتمعية. ويتحقق ذلك بتطوير برامج التوعية والتدريب، وإيجاد مسارات اقتصادية متوافقة مع حماية البيئة، وتوضيح الأنظمة واللوائح، وقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب المؤشرات البيئية. كما أن توثيق الملاحظات الميدانية والاستفادة من المعرفة المحلية يساعدان بفاعلية على تحسين القرارات ورفع كفاءة التنفيذ.
وفي المحصلة، فإن نجاح المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لا يقاس فقط بعدد الخدمات التي يقدمها أو المشروعات التي ينفذها، بل بقدرته على تحويل هذه الجهود إلى أثر مستدام في حماية التنوع الأحيائي، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع فرص التنمية المسؤولة، وبناء الثقة مع المجتمع. وحين تتكامل القيادة مع التقنية، ويتصل التخطيط بالتنفيذ، ويصبح المجتمع شريكاً في الحل، تتحول المحافظة على الحياة الفطرية من مهمة تنظيمية إلى ثقافة وطنية ومسؤولية مشتركة تحفظ ثروات البلاد الطبيعية وتدعم مستقبلها المستدام
للتواصل : [email protected]



