د. دوش الدوسري: القارئ شريك النص في إنتاج الدلالة وصناعة المعنى

عنوان – الرياض – عنبر المطيري :
نظّم نادي وسم الثقافي بالرياض أمسية نقدية ثرية حول نظرية التلقي، قدّمتها أ.د. دوش بنت فلاح الدوسري، وأدارت حوارها أ. موضي العتيبي، وسط حضور تفاعل مع الطروحات النقدية التي تناولت مكانة القارئ في العملية الإبداعية، ودوره في إنتاج الدلالة وإعادة تشكيل المعنى في النصوص الأدبية.
واستهلت الدكتورة دوش الأمسية بطرح سؤال محوري أثار اهتمام الحضور: ما موقع القارئ في النص؟، لتفتح من خلاله باب النقاش حول أهمية القارئ في النقد الأدبي، ومدى استحقاقه أن يكون محورًا لنظرية نقدية مستقلة، وهل تقتصر القراءة على المتعة أم تتجاوزها إلى إنتاج معانٍ جديدة، إلى جانب التساؤل عن المصطلح الأدق: القارئ أم المتلقي؟
نظرية التلقي.. من مركزية النص إلى دور القارئ
وأوضحت الدكتورة دوش أن التلقي في اللغة يعني الأخذ والاستقبال، فيما يُقصد به اصطلاحًا استقبال النص من خلال القراءة أو الاستماع أو المشاهدة، سواء أكان النص مكتوبًا أم عملًا مسرحيًا أم أغنية أو غير ذلك من أشكال التعبير الإبداعي.
وبيّنت أن نظرية التلقي برزت في ستينيات القرن العشرين بوصفها تحولًا في مسار النقد الأدبي، بعد أن هيمنت على الدراسات النقدية اتجاهات ركّزت على النص باعتباره عالمًا مستقلًا بذاته، مع تراجع الاهتمام بدور القارئ في إنتاج المعنى.
وأشارت إلى ارتباط النظرية بالنقد الألماني، مستعرضة إسهامات رائديها روبرت ياوس وهانس روبرت ياوس؟
كما استحضرت عددًا من الأفكار النقدية التي أسهمت في تعزيز مكانة القارئ، من بينها مفهوم «موت المؤلف» لدى رولان بارت، الذي أعاد الاعتبار للقارئ بوصفه عنصرًا أساسيًا في فهم النص وتأويله، إلى جانب رؤية بول فاليري التي تؤكد أن المعنى يبدأ بالتشكّل في نفس القارئ بعد انفصال العمل الأدبي عن مؤلفه.
كما أشارت إلى إسهامات ميخائيل ريفاتير في دراسة الظاهرة الأدبية، مؤكدة أن فهم النص لا ينفصل عن طبيعة التفاعل الذي ينشأ بينه وبين متلقيه.
جذور عربية أصيلة للاهتمام بالمتلقي
وفي محور لافت من الأمسية، أكدت الدكتورة دوش أن الاهتمام بالمتلقي ليس مفهومًا وافدًا بالكامل على الثقافة العربية، بل له جذور راسخة في التراث النقدي والبلاغي العربي.
واستشهدت بالقاعدة البلاغية «لكل مقام مقال»، وبقول بشر بن المعتمر: «ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين»، في إشارة إلى أهمية مراعاة المتلقي ومستوى فهمه عند إنتاج الخطاب.
كما استحضرت موقف الآمدي في دفاعه عن أبي تمام، موضحة أن اختلاف المتلقين في فهم النصوص الأدبية وتذوقها قد يؤدي إلى تباين الأحكام النقدية، وأن إدراك القيمة الفنية للعمل الأدبي يرتبط أحيانًا بقدرة القارئ على استيعاب دقة معانيه.
مبادئ النظرية.. القراءة فعل منتج للمعنى
واستعرضت الدكتورة دوش أبرز المبادئ التي تقوم عليها نظرية التلقي، ومن أهمها أن النص لا يكتمل أثره دون قارئ، وأن القراءة تجربة تفتح المجال أمام تعدد التفسيرات، فيما ينتج المعنى من التفاعل بين القارئ والنص.
وأكدت أن القراء لا يتساوون في فهمهم للنصوص أو تأويلهم لها، وأن القراءة المحايدة تكاد تكون مستحيلة في ظل اختلاف الخبرات والثقافات والتجارب الشخصية، مشيرة إلى أن القارئ المتميز هو القادر على اكتشاف فجوات النص وملئها، واستثمار ما يتيحه من إمكانات دلالية وجمالية.
كما تناولت تصنيفات القراء، ومنها القارئ المثالي، والقارئ الضمني، والقارئ المستهلك، والقارئ المنتج، إلى جانب أنواع من القراءات، تشمل القراءة الإسقاطية والقراءة الشارحة والقراءة الشعرية.
وتوقفت عند مفهوم «أفق الانتظار» أو «أفق التوقع»، بوصفه أحد المصطلحات المركزية في نظرية التلقي، موضحة أنه يشير إلى مجموعة الخبرات السابقة والمعارف والتوقعات التي يحملها القارئ معه عند مواجهة النص، وتؤثر في فهمه له وتفاعله مع دلالاته.
تفاعل معرفي واختتام بالتكريم
واختُتمت الأمسية بالتأكيد على أن نظرية التلقي أعادت الاعتبار إلى متعة القراءة باعتبارها فعلًا منتجًا للمعنى، وأن العلاقة بين النص والقارئ علاقة تفاعلية تتجاوز مجرد استقبال الكلمات إلى اكتشاف الدلالات وبناء التأويلات.
وشهدت الأمسية نقاشًا ثريًا وتفاعلًا من حضور نادي وسم الثقافي، تناول سبل تطبيق مفاهيم نظرية التلقي على النصوص الأدبية المعاصرة، ومدى إسهامها في توسيع آفاق القراءة وتعميق الفهم النقدي.
وفي ختام الأمسية، كرّم رئيس نادي وسم الثقافي بالرياض، الأستاذ عبدالرزاق كسار، الضيفة الدكتورة دوش الدوسري، والمحاورة الأستاذة موضي العتيبي، تقديرًا لمشاركتهما وإسهامهما في إثراء الأمسية، وسط تفاعل وتصفيق الحضور.
وأكدت الأمسية، في مجمل محاورها، أن القارئ ليس مجرد متلقٍ للنص، بل شريك في بناء دلالاته، وأن المعنى يتجدد مع كل قراءة، لتظل العلاقة بين النص والقارئ مساحة مفتوحة للتأويل والإبداع.



