كيف نصنع جيلاً مبدعاً في عصر الشاشات؟

✍️مزرية هروبي – كاتبة سعودية :
في ركن هادئ من الصالة.
يجلس طفلي ساهماً ووجهه مضاء بوهج شاحب ينبعث من شاشة هاتفه.
أصابعه تتحرك بسرعة فائقة وعيناه مسمّرتان على مقاطع لا تكاد تبدأ حتى تنتهي.. في تلك اللحظة.. شعرت بغصّة.. اجتاحت كياني. لم يكن الوقت وحده هو الذي يتسلل من بين أصابعنا. بل تلك الضحكات العفوية. والتساؤلات الفضولية الصغيرة التي كانت تملأ أرجاء البيت. لقد أدركت أن أبناءنا لا يهربون إلى هذه العوالم الافتراضية حباً فيها بل بحثاً عن شيء يملأ فراغهم ولن نعيدهم إلا بالاحتواء الحقيقي وإشعال شغفهم بالحياة الواقعية مجددا.
إن المسألة لا تتطلب منا قرارات صارمة أو معارك يومية فالأمر أبسط وأعمق من ذلك بكثير. البديل الحقيقي يبدأ عندما نمنحهم القليل من وقتنا ودفئنا قطعة بازل نركبها معاً على سجادة الغرفة أو لعبة تركيب نتشاطر فيها الضحك والارتباك مع إخوتهم أو أصدقائهم. حتى دفتر المذكرات البسيط حين نهديه للطفل ليرسم فيه يومه ويكتب أمانيه الصغيرة
يصبح نافذة يرى من خلالها ذاته وأهمية لحظاته. نحن لا نملأ فراغهم فحسب
بل نقول لهم “عالمكم الحقيقي هنا ونحن نراكم ونحب مشاركتكم”.
وعندما يخفت بريق الشاشات وتصفو أذهانهم.
نرى المعجزة الصغيرة تحدث أمامنا .
يبدأ ذلك العقل المشوش في استعادة سكينته .
وتتحول الدقائق المهدرة إلى لحظات إنجاز رسمة تكتمل
أو فكرة تبتكر أو حوار عميق ينمي فيهم حسا جميلا بالمسؤولية والاستقلال.
فالإبداع لا يزهر تحت ضغط الإشعارات المتلاحقة
بل ينبت في مساحات الهدوء والأمان النفسي .
إن هؤلاء الصغار ليسوا أرقاماً في سباق تقني.
بل هم أرواح غالية ولبنات وطننا المعطاء. إن احتواءهم
وتشجيع الموهوب منهم
واحتضان من يتعثر.
هو أعظم استثمار نقدّمه لغدنا.
فالطفل الذي يشعر بقيمته داخل بيته ومدرسته اليوم
هو ذاته الإنسان الواعي والمواطن المحب الذي سيقود وطنه بشغف غدا.
للتواصل : [email protected]



