كتاب الرأي

كفكف دموعك واحتفل

         ✍️ سيما محمد – روائية سعودية :

تظل حفلات التوقيع شبيهة بألعاب نارية تضيء سماء الكتاب للحظة، لكن سرعان ما يتلاشى بريقها؛ يمسك القارئ بالنسخة الموقعة منتشيًا، وقد يركنها على رف النسيان لسنوات دون أن يمس سطرًا منها. الإقبال الجماهيري في تلك المحافل لا يمثل مقياسًا لجودة الأثر، ولا صكًا لقيمة صاحبه، وبقدر ما يعكس براعة العرض والإعلان، فإنه يظل عاجزًا عن إثبات عمق الجوهر والمضمون.

الأولى أن لا يراهن الكاتب على بهرجة البدايات ولا زخم المنصات العابرة، وإنما يستند إلى رهان طويل الأمد، يسير بنمط بطيء وممتد؛ يأتي بعد أن يستقر العمل في ركنه الهادئ بين أرفف المكتبات، ويتخمر في وجدان القراء، وتتلقفه الأطروحات الأكاديمية والمراجعات النقدية، وتحيي جذوته الندوات واللقاءات الفكرية.

الترويج الحق للمؤلفات لا يكمن في التقاط الصور أو المرور الخاطف في المهرجانات، وإنما يتبدى عندما يصبح العمل مادة حية تتنفس في الحلقات الطلابية، ويتردد صداها في الجلسات الثقافية، ويمضى بها نحو حوارات إعلامية تسبر غور معانيه.

هناك فقط، يكتسب الكتاب أبهته وأبديته، ويتحول من مجرد سلعة تباع بختم وتوقيع إلى فكرة تتنفس في أذهان القراء، وتنسج حياتها الخاصة عبر الزمن.

ولعل ألم التجربة يتجلى بأبهى صورة في تجارب إنسانية موجعة — كتلك التي اختبرها الروائي حامد ياسين — حين ينزوي المبدع في ركنه، وحيدًا أمام منصة التوقيع بينما تتلاشى الطوابير التي لم تجتمع إلا في خياله، نحو منصات أخرى افتراضية كانت أو واقعية.

لحظة ثقيلة لا تقف عند حدود التجاهل، وأشد ما يكسر القلب أن تتلاشى روح الاحتفال، وتتحول المناسبة المنتظرة إلى ما يشبه العزاء والمواساة، حين تُستبدل بهجة الإنجاز بنظرات الشفقة العابرة. غير أن هذا الصمت الثقيل لا يُنقص من قدر الحرف شيئًا؛ فالنص الأصيل والإبداع الحقيقي لا يُقاس بقلة الخُطى التي تطرق دربه اليوم، وإنما يُوزن بالعمق الذي يتركه في قلب قارئ واحد يكتشفه غدًا بعيدًا عن الضوضاء.

وأؤكد أن وحشة الكراسي الفارغة ليست توقيع من قلم الحظ على نهاية مسيرة الكتاب، بل هي لحظة انسدال لستار يتوارى خلفه المؤلف حتى تصنع كلماته حياتها الخالدة؛ فالمبدع لا يحتاج لتصفيق الجماهير ليرمم ثقته بنفسه، فقد قُدّر له أن يطارد ذواتهم العميقة؛ ليزرع كلماته كالشرار في عقول قُرّائه، وينتظر لحظة اشتعالها ولو بعد حين.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى