كتاب الرأي

السرطان حين يثقل الجسد وتبقى الروح على قيد الأمل

            ✍️نوال العزاوي – كاتبة رأي:

ما أثقل اللحظة التي يسمع فيها الإنسان أنه مصاب بالسرطان. كلمة واحدة قد تضيق بها رحابة الأيام، وتتزاحم خلفها أسئلة لم يكن مستعدًا لاستقبالها. ينصت إلى الطبيب، فيما يمضي به الخوف إلى وجوه أحبّته وأحلامه المؤجلة، وقد تتقدم فكرة الموت إلى ذهنه قبل أن تتضح له ملامح العلاج، وكأن التشخيص أغلق أمامه أبواب الغد كلها.

في هذه اللحظة أرى أن الأمل يستحق أن يكون حاضرًا، في حديث الطبيب الصادق، وفي نظرة الأسرة، وفي الكلمات التي تستقبل المريض حين يعود مثقلًا بما سمع. فمن حقه أن يجد من يذكّره بأن مستقبله لا تختصره كلمة، وأن أمامه أسبابًا يأخذ بها، وعلاجًا يناقش خياراته مع أطبائه، وبابًا من الرجاء يفتحه بحسن الظن بالله.

وللإيمان في هذه الرحلة سكينة يعرفها من لجأ إلى الله وهو مثقل بما يعجز عن حمله وحده. ففي الدعاء يضع المريض خوفه بين يدي ربّه، ويسأل العافية بصوت قد يضعف من التعب، فيما يبقى رجاؤه متعلقًا برحمته. ويجتمع التوكل مع الأخذ بالأسباب، فيواصل علاجه مستعينًا بالله، ويحمل في قلبه أمنية العودة إلى أيام طال اشتياقه إليها.

وقد ترهق جلسات العلاج الجسد حتى تبدو الخطوة اليسيرة جهدًا كبيرًا، وينظر المريض إلى وجهه المتعب فيشتاق إلى عافية كان يمضي بها من قبل دون أن ينتبه إلى سعتها. هنا يصبح الأمل سندًا يعينه على احتمال المشقة، ويُبقي قلبه موصولًا بما يتمنى استعادته، من جلسة بين أحبّته إلى حلم ينتظر اكتماله.

لكن الرجاء قد يخفت، وقد يأتي يوم يشعر فيه المريض أن قدرته على الاحتمال قد وهنت. وهنا يتجلى دور الأسرة والأصدقاء والإخوة، حين يسندون قلبه حتى يستعيد شيئًا من قوته. فهو يحتاج إلى من يسمع خوفه، ويرافقه إلى موعده، ويخفف عنه بعض مسؤولياته، ويقول له بصدق: سنمضي معك خطوة خطوة. ففي هذا الحضور ما يمنحه الأمان، ويذكّره بأنه لا يحمل أعباء الطريق وحده.

ولهذا الاهتمام بالنفس ما يسنده علميًا. فقد أظهرت تجربة سريرية عشوائية نُشرت في مجلة علم الأورام السريري عام 2018، وشملت 305 مرضى مصابين بسرطان متقدم، أن برنامجًا نفسيًا متخصصًا يُعرف باسم «إدارة السرطان والعيش بمعنى» أسهم في تخفيف أعراض الاكتئاب مقارنة بالرعاية المعتادة وحدها. وهي نتيجة تؤكد قيمة الرعاية النفسية في التخفيف من جانب من معاناة المريض إلى جانب علاجه الطبي.

وأعرف شخصيًا امرأة في الخمسين من عمرها واجهت تجربة قاسية مع السرطان. وبحسب ما روته، أخبرها الأطباء بأن المرض أصاب الكبد وانتشر إلى مواضع أخرى، وكانت توقعاتهم بشأن حالتها صعبة. لكنها تمسكت بالله وأحسنت الظن به، وواصلت علاجها، وظل الدعاء والرجاء سندًا لها طوال الرحلة. وبعد نحو عام، أخبرها الأطباء بأن الفحوصات لم تعد تُظهر وجود المرض، فعاشت هي وأحبّتها فرحة طال انتظارها.

وتحمل قصتها معنى إنسانيًا عميقًا، وإن كان تفسير استجابتها للعلاج يعود إلى تفاصيل حالتها وتقييم أطبائها. فالأمل لا يضمن الشفاء، لكنه يمنح النفس سندًا في أثناء الرحلة. ومن طال علاجه يظل مستحقًا لتجديد رجائه، دون أن يصبح تأخر تحسنه حكمًا على شجاعته أو قوة إيمانه.

إن الشجاعة تتسع لدمعة المريض ولحظات ضعفه. فقد يخاف ثم يذهب إلى موعده، ويتعب ثم يستعين بالله على يوم آخر، ويمد يده طالبًا المساندة كي يستطيع المواصلة. ومسؤوليتنا أن يجد لهذه اليد يدًا تحبّه وتعينه، وأن يبقى الأمل حاضرًا حوله حين يعجز عن استحضاره في نفسه.

فحين يثقل السرطان الجسد، نستطيع أن نسند الروح بكلمة توقظ رجاءها، وبقرب يخفف وحشتها، وبدعاء نشاركها فيه. حتى إذا ضاق بالمريض يومه، وجد من يعينه على النظر إلى الغد، وفي قلبه رجاء بأن يكتب الله له فيه عافية.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى