الإرهاب جريمة لا تعرف حرمة الإنسان… ووحدة العرب في مواجهته ضرورة لا خيار

✍️ ناهد شما – كاتبة أردنية :
حين تمتد يد الغدر إلى جنازة، وتتحول لحظات الوداع إلى مأساة، ندرك إلى أي حد يمكن أن يصل التطرف حين يُجرَّد الإنسان من ضميره وقيمه.
بقلوب يعتصرها الألم، تلقّينا نبأ الجريمة النكراء التي شهدتها محافظة الكرك الأردنية أثناء تشييع جنازة، والتي أودت بحياة عدد من الأشخاص وأوقعت عشرات المصابين. إنها فاجعة مؤلمة لا تستهدف الضحايا وحدهم، بل تمسّ أمن المجتمع وكرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة، وتكشف خطورة الفكر المتطرف حين يتحول إلى سلوك إجرامي لا يقيم وزنًا لحرمة الموت ولا لمشاعر الأحياء.
إن الاعتداء على أناس اجتمعوا لتشييع فقيدهم جريمة مدانة بكل المقاييس، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة أو فكر أو ادعاء. فالإرهاب لا يصنع مجدًا، ولا يحقق عدالة، ولا ينتصر لقضية؛ بل يزرع الخوف، ويحصد الأرواح، ويترك خلفه أسرًا مفجوعة وقلوبًا مثقلة بالحزن.
ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب ليست مسؤولية دولة بعينها، بل هي مسؤولية عربية وإنسانية مشتركة. فالأردن، شأنه شأن سائر الدول العربية، معنيّ بحماية أمن مواطنيه وصون نسيجه الوطني، وملاحقة مرتكبي الجرائم وفق القانون، وتجفيف منابع التطرف، وتعزيز الوعي الذي يحصّن المجتمعات من الأفكار الهدامة.
ولا بد أن تشمل هذه المواجهة ما يُعرف بظاهرة الذئاب المنفردة؛ إذ إن خطورتها تكمن في قدرة أصحاب الفكر المتطرف على التحرك بصورة فردية بعيدًا عن التنظيمات الظاهرة. والتصدي لها يتطلب يقظة أمنية، وتعاونًا عربيًا جادًا، ورصدًا مبكرًا لمؤشرات التطرف، إلى جانب ترسيخ ثقافة التسامح والانتماء واحترام الآخر. فالحزم في تطبيق القانون ضرورة، والوقاية الفكرية والتربوية ضرورة لا تقل أهمية عنها.
وليس ما شهدته الكرك حادثة منفصلة عن الخطر الذي يهدد أمن المجتمعات حين يُترك التطرف بلا مواجهة حقيقية؛ فقد شهدت المملكة العربية السعودية أيضًا اعتداءات استهدفت مرافق مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفرت عن وفيات وإصابات، في مشهد يؤكد أن الإرهاب لا يستثني بلدًا ولا يراعي جنسية أو دينًا أو إنسانية.
وقد برز في مواجهة تلك المأساة اهتمام المملكة العربية السعودية بالمصابين وأسر المتوفين، والحرص على تقديم الرعاية اللازمة للمصابين، والتعامل مع تداعيات الاعتداء بما يحفظ سلامة الناس وأمنهم. وهو موقف إنساني يعكس أن قيمة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن مواساة الأسر المفجوعة ورعاية الجرحى واجب أخلاقي ووطني وإنساني.
إننا اليوم بحاجة إلى موقف عربي موحّد، لا تفرّقه الخلافات ولا تضعفه الحسابات الضيقة؛ موقف يرفض الإرهاب بكل أشكاله، ويؤكد أن أمن الأردن من أمن العرب، وأن أمن المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها.
كما أن مسؤوليتنا لا تقف عند إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل تمتد إلى محاربة خطاب الكراهية، وحماية الشباب من الأفكار المتطرفة، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية في نشر الاعتدال واحترام الحياة الإنسانية.
إن الذئاب المنفردة لا تُواجَه بالشعارات وحدها، بل باليقظة والتعاون وتطبيق القانون، وبناء مجتمع يرفض التطرف قبل أن يتحول إلى جريمة. ومن يعتدي على الأبرياء يجب أن ينال جزاءه العادل، بعيدًا عن الانتقام أو التعميم على جماعة أو دين أو مجتمع بأكمله.
وفي الختام، نتقدم بأحرّ التعازي إلى أسر ضحايا حادثة الكرك، ونسأل الله أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، كما نعرب عن تضامننا مع المملكة العربية السعودية وأسر ضحايا الاعتداءات التي شهدتها مطاراتها، سائلين الله الرحمة للمتوفين والشفاء للمصابين.
ستبقى الحياة أقدس من أن يعبث بها متطرف، وسيظل أمن أوطاننا مسؤولية مشتركة، وسيبقى التضامن العربي قوة في وجه كل من يحاول نشر الخوف والفرقة والدمار. فالإرهاب لا وطن له، ولا دين يبرره، ولا مستقبل له في مجتمعات اختارت الحياة والسلام والكرامة.
للتواصل : [email protected]



