كتاب الرأي

لا تنشغل بمن لم يلتفت إليك

        ✍️منصور الزهراني – كاتب سعودي :

أكتشف مؤخراً أنني أعطي بعض التفاصيل أكبر من حجمها، وأسمح لها بأن تأخذ من تفكيري ووقتي أكثر مما تستحق. أحياناً أفتح هاتفي بين حين وآخر، أترقب رسالة من شخص ما، أو أراجع محادثة سابقة، أو أتساءل عن سبب تغيّر أسلوب شخص اعتدت منه اهتماماً مختلفاً. وقد أمضي وقتاً في التفكير في كلمة أرغب في سماعها، أو رسالة أنتظرها، أو اهتمام كنت أبحث عنه، محاولاً فهم ما يحدث، مع أنني أعرف أن هذه الأمور لا تستحق كل هذا الانشغال.

وفي لحظة هدوء، سألت نفسي: لماذا أمنح الآخرين كل هذه المساحة من تفكيري، بينما أؤجل نفسي وأشياء أحبها؟ لماذا قد يتعكر يومي بسبب موقف واحد، وأنسى أشياء كثيرة كانت كفيلة بأن تجعل يومي جميلاً؟

لا أكتب هذا لأنني أملك إجابة عن كل شيء، ولا لأنني وصلت إلى مرحلة لا أتأثر فيها بما يحدث حولي. أنا مثل غيري، أتأثر وأفكر، وأحياناً أعود إلى بعض المواقف أكثر مما ينبغي. لكنني بدأت أؤمن بأن علاقتنا بأنفسنا تستحق منا اهتماماً أكبر.

نقضي أحياناً سنوات نحاول أن نكون كما يريدنا الآخرون، نراجع كلماتنا قبل أن نقولها، ونحسب خطواتنا قبل أن نمضيها، ونؤجل رغباتنا حتى لا نخيّب ظن أحد، وكأن رضا الناس غاية لا تستقيم الحياة إلا ببلوغها.

ومع مرور الوقت، قد نكتشف أننا بالغنا في الاهتمام بالآخرين حتى نسينا أنفسنا. منحناهم من وقتنا ومشاعرنا الكثير، وانتظرنا منهم كلمة تقدير، أو موقفاً صادقاً، أو اهتماماً بسيطاً يؤكد لنا أننا نعني لهم شيئاً.

لكن ماذا لو لم تأتِ تلك الكلمة؟ وماذا لو غاب ذلك الاهتمام، أو تغيّر أشخاص ظننا أنهم لن يتغيروا؟

هنا تبدأ علاقتنا الحقيقية بأنفسنا.

أن تحب نفسك يعني أن تدرك أن لك قيمة لا تتوقف على مقدار اهتمام الناس بك. أن تتقبل عيوبك دون أن تتخذها عذراً للبقاء كما أنت، وأن تعترف بأخطائك دون أن تحوّلها إلى محاكمة دائمة لذاتك. أن تمنح نفسك فرصة جديدة كلما أخفقت، وألا تجعل زلة عابرة تختصر حكايتك كلها.

أن تحب نفسك يعني أيضاً أن تعرف متى تمنح، ومتى تتوقف، ومتى يكون الصمت أجمل من عتاب لا يسمعه أحد، ومتى يكون الابتعاد حفاظاً على راحتك. فليس كل من أحببناه قادراً على مبادلتنا الشعور نفسه، وليس كل علاقة نتمسك بها يمكن أن تستمر بالصورة التي نتمناها.

ولعل من أصعب ما نتعلمه أن المشاعر لا تُفرض، وأننا مهما حاولنا لا نستطيع أن نجعل شخصاً يرغب في القرب منا إن لم تكن لديه هذه الرغبة. وقد نتعب كثيراً في محاولة فهم أسباب تغيّر الآخرين، حتى ننسى أن بعض الأمور لا نملك تغييرها، وأن المضي قدماً أحياناً أرحم بنا من البقاء أسرى للأسئلة.

ومع ذلك، لا تجعل خيباتك تقنعك بالتخلي عن قلبك. أحبب، وامنح، وكن صادقاً في مشاعرك، واحتفظ بقدرتك على رؤية الجمال في الناس والحياة. لكن لا تجعل سعادتك رهينة شخص، ولا تسمح لغياب إنسان أن يشغلك عن حياتك فتنسى أن تعيشها.

ومن أجمل ما يصل إليه الإنسان أن يألف نفسه؛ أن يجد في وحدته متسعاً للراحة، وفي اهتماماته ما يشغله، وفي أفكاره ما يستحق التأمل. أن يفعل شيئاً يحبه دون أن ينتظر إعجاب أحد، وأن يمنح نفسه وقتاً للراحة دون أن يشعر بالذنب، وأن يستمتع بأيامه حتى حين لا تسير الأمور كما أراد.

فالحياة مليئة بأشياء تستحق أن نعيشها، ومع ذلك قد ننشغل بانتظار رسالة، أو تفسير موقف، أو استعادة اهتمام غاب، حتى تمر أمامنا لحظات جميلة لا نلتفت إليها. وربما نكتشف بعد حين أننا منحنا بعض الأمور أكثر مما تستحق، وأهملنا أشياء كانت قادرة على إسعادنا.

بالنسبة لي، أرى أن حب الذات يبدأ من تفاصيل بسيطة؛ أن نكون أكثر رفقاً بأنفسنا حين نخطئ، وأن نحترم مشاعرنا دون أن نسمح لها بقيادة حياتنا، وأن نعرف قدرنا دون حاجة إلى إثباته في كل مرة. فالإنسان الذي يقدّر نفسه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين، ولا إلى التظاهر بالقوة طوال الوقت.

في النهاية، سيختلف الناس في نظرتهم إلينا؛ سيحبنا بعضهم، ولن يفهمنا آخرون، وستتغير العلاقات وتتبدل الظروف. لا نملك أن نتحكم في كل ما يحدث، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نتعامل معه دون أن نجعل نظرة الآخرين إلينا مقياساً وحيداً لقيمتنا.

نحن بحاجة إلى المحبة والاهتمام، ونفرح بوجود أشخاص يشاركوننا الحياة، لكننا بحاجة أيضاً إلى حياة نحبها، وأشياء تمنح أيامنا معناها، وعلاقة بأنفسنا لا تتأثر قيمتها كلما تغيّر أحدهم أو ابتعد.

أحب نفسك، وامنحها من الاهتمام ما تمنحه لمن تحب، ولا تنشغل طويلاً بمن لم يلتفت إليك فتنسى أن تلتفت إلى نفسك.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى