أَفِرُّ مِنْكَ إِلَيْكَ

✍️ سمية عمر عكاشة – كاتبة جزائرية :
وحقِّ الهوى ما فررتُ منك إلّا إليك ولا نأيتُ عن ذكراك إلّا ازدادت في أضلعي رسوخًا وتمكينًا كأنّك في مهربي غاية وفي صمتي نداء وفي بُعدي دنوٌّ لا يُدركه منطقٌ ولا يحيط بسرّه بيان
أُواري هواكَ عن العيون فيفضحني طرفي وأكتم ذكراك عن لساني فتشي بك أنفاسي وأعزم على النسيان عزمَ من استلَّ سيفه ليقطع آخر خيطٍ يشدّه إلى ماضيه فإذا بقلبي ذلك العصيَّ على أمري يردُّ السيف إلى غمده ويُقيم من أطلالك مأتمًا ومن ذكراك عيدًا ومن الحنين إليك عبادةً لا أعرف لها انقطاعا
يا هذا بأيِّ ذنبٍ أُعاقَب بك وأيُّ توبةٍ تُقبل من قلبٍ لا يرى في هواك معصية وإن أضناه ولا في ذكراك نجاة وإن أحيته وكيف أستغفر من حنينٍ أنت منبعه وأستعيذ من شوقٍ أنت غايته وأنت الذي كلّما توهّمتُ أنّي بلغتُ من النسيان آخره انكشف لي أنّني لم أبرح أوّل الطريق
لقد هممتُ أن أعتزل الكتابة وأن أُغلق على قلبي أبواب الكلام وأن أذر الحرف كما يذر المسافرُ ديارًا أقسم ألّا يعود إليها غير أنّ القلم كلّما مسَّ بياضَ الصحيفة جرى باسمك وكأنّ المدادَ عهدٌ قديمٌ بيني وبينك وكأنّ الحروفَ لا تعرف من الأسماء إلّا اسمك ولا من الحكايات إلّا حكايتك
فكيف أتوب عن الكتابة وأنت الحكاية التي لم يُؤذَن لها بالختام وكيف أُطفئ جذوة الحنين وأنت الجمر الكامن تحت رماد الصبر وكيف أُقنع الروح بالنجاة منك وهي لا تزال تتّخذ من ذكراك قبلة ومن طيفك مأوى ومن غيابك وطنًا تُقيم فيه وإن أضناها المقام
إنّي كلّما ابتعدتُ عنك ظننتُ أنّ المسافة ستُطفئ ما استعصى على النسيان فإذا بها لا تزيدني إلّا معرفةً بأنّ بعض البُعد قربٌ مستتر وأنّ بعض الغياب حضورٌ أرسخ من اللقاء وأنّ المرءَ قد يقطع الفيافي كلّها ثم يعجز عن اجتياز المسافة القائمة بين قلبه وبين مَن سكنه
ولعمري ما كلُّ مَن فارق نجى ولا كلُّ مَن نسيَ استراح فربّما كان الفرارُ ضربًا من ضروب التعلّق وربّما كان الصمتُ أبلغَ ما ينطق به العاشق وربّما كان ادّعاءُ الشفاء آخرَ حيلةٍ يتشبّث بها قلبٌ أنهكه الوجع وأعياه أن يُقرَّ بأنّ بعض الجراح لا تبرأ وإن التأمت وأنّ بعض الوجوه لا تغيب وإن وارَتها السنون
فيا ساكنًا في خفايا الروح ومقيمًا في سراديب الذاكرة ما عدتُ أدري أأنت الذي تسكنني أم أنّني أنا الذي أسكن فيك ولا أُحسن الخروج من ديارك أأنت حنينٌ أُكابده أم قَدَرٌ كُتب عليَّ أن أحمله ما امتدّ بي العمر وأيُّهما أشدُّ علي أن أفتقدك أم أن أجدك في كلّ شيءٍ حولي فلا أراك
أخشى أن يأتي يومٌ أكفُّ فيه عن الكتابة ليس الشوق قد خبى ولا القلب قد برئ ولكن الحروف قد ضاقت بما أُخفي وعجز البيان عمّا أُعاني وحينئذٍ مَن يُخبرك أنّ في الصدر حكايةً لم تفرغ من وجعها وأنّ وراء هذا الصمت ليلًا طويلًا لا يطلع فجره وأنّني وإن أوهمتُ العالم أنّني تجاوزتُك مازلتُ أُرتّب فوضى روحي على هيئة ذكراك
فإن سألتني يومًا لِمَ لم تنجي منّي
اجبتك لأنّ النجاة منك كانت تقتضي أن أنجو من نفسي ولأنّك لم تكن عابرًا في عمري فأطوي أثره بل كنتَ أثرًا استقرّ في العمر كلّه ولأنّ بعض الأوطان لا تُحدُّ بترابٍ ولا تُحاط بجدران بل تسكن المرءَ حتّى إذا غادرها بجسده ظلّت روحه على أبوابها تنتظر
فلا تسألِ القلبَ كيف ينسى مَن أحبّ فإنّ بعضَ الحبّ لا يُنسى ولكن يُوارى تحت ركام الأعوام ثم ينهض من بين الأنقاض كلّما مرّت به نسمةُ ذكرى
سأظلّ أفرُّ منك إليك وأصمتُ فتفضحني حروفي وأحسب أنّني تجاوزتُك فإذا بك أعمقُ فيَّ من أن يبلغك النسيان
فإن كان للحنين منفى فأنا منفيٌّ إليك وإن كان للهوى قضاء فأنا المحكومُ بحبّك وإن كان للكتابة ذنبٌ فذنبي أنّني كلّما أردتُ أن
أكتب عن النجاة انتهيتُ إليك
وما كنتُ أظنُّ أنّ المرءَ قد يفقد الطريق إلى قلبه حتّى عرفتُ أنّ قلبي منذ عرفك لم يعد له طريقٌ سواك



