كتاب الرأي

معرفة بلا إسناد؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحدث باسم الإسلام دون أهلية علمية؟

✍️ولدان مفتاح السرور – باحث وأكاديمي إندونيسي :

لم يعد الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن الحديث في شؤون الدين؛ فهو يشرح الآيات القرآنية، ويلخّص أقوال الفقهاء، ويقارن بين المذاهب، ويصدر أجوبة تبدو أحيانًا كأنها صادرة عن عالم قضى عمره بين أمهات الكتب. وفي ثوانٍ معدودة، يستطيع أن ينتج كلامًا مرتبًا، ولغة رصينة، واستدلالًا يوحي بالعمق. لكن وراء هذا الإبهار التقني سؤالًا أخطر من مجرد قدرة الآلة على الإجابة: هل كل من استطاع إنتاج جواب ديني صحيح صار صاحب معرفة دينية؟ وهل تكفي القدرة على الكلام في الدين لاكتساب سلطة علمية تخوّل صاحبها تفسيره؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في أن الآلة تتحدث عن الإسلام؛ فقد أصبح ذلك واقعًا لا يمكن تجاهله. المشكلة في أن الإنسان قد يمنحها من الثقة أكثر مما تستحق، وأن يخلط بين فصاحة العبارة وصحة المعرفة، وبين كثرة المعلومات وعمق الفهم، وبين القدرة على نقل الأقوال والأهلية للحكم بينها. وهنا يبدأ الخطر: حين تتحول الإجابة المقنعة إلى حقيقة مفترضة، وحين يصبح المظهر العلمي بديلًا عن التحقق، قد لا يعود السؤال هو: هل هذا الكلام صحيح؟ بل يصبح: ما دام قد قيل بهذه الثقة، فلماذا أشك فيه؟

لقد قامت التقاليد العلمية الإسلامية على أن العلم ليس مجرد معلومات تُجمع، ولا نصوص تُستحضر، ولا أقوال تُنقل دون فهم. فالعلم يحتاج إلى تمييز، وتمحيص، ومعرفة بمواقع الأدلة، وإدراك لاختلاف السياقات، وقدرة على فهم ما يحتمله النص وما لا يحتمله. وليس كل حافظ فقيهًا، ولا كل ناقل مجتهدًا، ولا كل من أحسن ترتيب الأدلة أحسن تنزيلها على الوقائع. فإذا كان الإنسان الذي يمتلك ذاكرة واسعة لا يصبح عالمًا بمجرد حفظه، فكيف تصبح الآلة عالمة لمجرد قدرتها على استدعاء كمّ هائل من المعلومات وإعادة تركيبها في صورة جواب متماسك؟

إن أبا حامد الغزالي، في كتابه المنقذ من الضلال، يجعل البحث عن اليقين محورًا أساسيًا في رحلته الفكرية. فقد انطلق في تأملاته من ضرورة التحقق من أسس المعرفة، والتمييز بين ما يستحق التصديق وما لا يقوم على أساس راسخ من البرهان. وليس من المنهج العلمي أن ننسب إلى الغزالي موقفًا مباشرًا من تقنية لم يعرفها، وإنما يمكننا استلهام منهجه النقدي في مساءلة المعرفة لطرح سؤال معاصر: ما الأساس الذي يجعلنا نثق في جواب ديني تنتجه خوارزمية؟ أتكمن موثوقيته في صحة الدليل الذي يستند إليه، أم في إمكان التحقق من مصادره، أم في سلامة الاستدلال الذي بُني عليه، أم في مجرد ظهوره بمظهر الجواب المعقول والمقنع؟ إن طلب الحقيقة لا يتحقق بمجرد تلقي الأقوال وقبولها، بل يقتضي فحص أصولها، وتمحيص أدلتها، واختبار سلامة المسالك المؤدية إليها. ومن هذا المنطلق، فإن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في المجال الديني ينبغي ألا تُعفينا من واجب التثبت والنقد، بل ينبغي أن تجعلنا أكثر حرصًا على التمييز بين المعلومة التي تبدو صحيحة والمعرفة التي ثبتت حجيتها بالدليل والبرهان.

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس أنه يخطئ؛ فالخطأ قد يقع فيه العالم والباحث والمفتي أيضًا. وإنما الخطر أن الآلة قد تخطئ بلغة لا توحي بالخطأ، وأن تختلق مرجعًا بأسلوب لا يثير الشك، وأن تعرض رأيًا مختلفًا فيه كما لو كان محل اتفاق، وأن تجمع أقوالًا صحيحة في سياق ينتج عنها استنتاج غير صحيح. فالخطأ البشري قد تكشفه معرفة صاحبه وحدود اختصاصه، أما الخطأ الخوارزمي فقد يتخفى خلف هيئة معرفية متقنة، ولا سيما حين يفتقر المستخدم إلى الأدوات التي تمكّنه من مراجعته.

ومن هنا تبرز أهمية الإسناد في التراث الإسلامي، ولا سيما في علوم الحديث، حيث لا يُنظر إلى الخبر بمعزل عن طرق نقله ورجاله وشروط قبوله. غير أن الإسناد ليس شعارًا يُرفع، ولا نسبًا علميًا يكفي وحده لإثبات صحة كل قول؛ بل هو جزء من منظومة أوسع للتحقق، تتداخل فيها الرواية والدراية والنقد والفهم. كما أن أهلية العالم لا تُختزل في انتسابه إلى سلسلة من الشيوخ، وإنما تتصل بقدرته على الفهم والاستدلال ومعرفة الخلاف وتحمل مسؤولية الفتوى. وبالمثل، فإن افتقار الذكاء الاصطناعي إلى الإسناد التقليدي لا يجعل كل ما ينتجه باطلًا، لكنه يمنعنا من التسليم بأنه اكتسب تلقائيًا المنزلة العلمية التي تُمنح لمن تأهل للنظر والاجتهاد.

إن علينا، إذن، أن نميز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في النقاش المعاصر: صحة المعلومة، وصحة الاستدلال، وشرعية السلطة العلمية. فقد ينتج الذكاء الاصطناعي معلومة صحيحة، من غير أن يكون قد برهن على فهمها بالمعنى الإنساني المعتاد؛ وقد ينقل نصًا موثوقًا، من غير أن يحسن تحديد دلالته؛ وقد يساعد في جمع الأدلة، من غير أن يكون مؤهلًا لإصدار حكم شرعي مستقل. وفي المقابل، لا تعني المكانة العلمية أن صاحبها معصوم من الخطأ. فالمعيار ليس اسم المتكلم وحده، ولا التقنية التي استخدمها، بل الأدلة والمنهج والكفاءة وإمكان المراجعة.

وتزداد المسألة خطورة حين تدخل المعرفة الدينية في اقتصاد الانتباه الرقمي. فالجواب السريع ينتشر قبل أن يُفحص، والعبارة الواثقة تجذب أكثر من التحليل المتحفظ، والمحتوى المختصر قد يزيح النقاش العلمي الذي يحتاج إلى تفصيل. وعندئذ قد تتراجع مكانة السؤال والتثبت أمام إغراء الإجابة الفورية. وليست المشكلة أن الناس يستخدمون التكنولوجيا، بل أن يتحول الاستخدام إلى اعتماد غير نقدي، وأن تصبح سهولة الوصول إلى الكلام الديني بديلًا عن تعلم كيفية التحقق منه.

لهذا لا ينبغي أن يكون موقفنا رفض الذكاء الاصطناعي لمجرد أنه آلة، ولا الاحتفاء به لمجرد أنه سريع وواسع المعرفة. يمكنه أن يخدم البحث الإسلامي، ويساعد في فهرسة المخطوطات، ومقارنة النصوص، وجمع المراجع، وتيسير الوصول إلى التراث. لكن هذه الوظائف لا تمنحه تلقائيًا حق الاستقلال بالفتوى أو ادعاء المرجعية الدينية. فالمساعدة على إنتاج المعرفة شيء، وامتلاك الأهلية العلمية والسلطة التفسيرية شيء آخر.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحدث عن الإسلام؟ فقد أصبح يتحدث بالفعل. بل السؤال: هل نملك من الوعي العلمي ما يكفي للتمييز بين كلام يبدو علميًا ومعرفة ثبتت حجيتها؟ وهل نستطيع الاستفادة من التقنية دون أن نتنازل لها عن مسؤولية التمييز بين الصحيح والمخطئ، وبين الدليل والدعوى، وبين المعلومة والفتوى؟ إن الخطر الحقيقي ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العلماء فحسب، بل أن يعتاد الناس الخلط بين مظهر المعرفة وشرعية السلطة العلمية. فحين تصبح الطلاقة دليلًا على الأهلية، والسرعة بديلًا عن التثبت، وكثرة المعلومات مرادفًا للفهم، لا تكون الأزمة أزمة تقنية وحدها، بل أزمة في تصورنا لمعنى العلم نفسه.

إن مستقبل المعرفة الإسلامية في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتطلب أن نغلق أبواب التقنية، بل أن نمنعها من إغلاق أبواب النقد. فالآلة قد تساعدنا في الوصول إلى النصوص، لكنها لا ينبغي أن تعفينا من مساءلة دلالاتها؛ وقد تقدم جوابًا، لكنها لا ينبغي أن تلغي واجب التحقق منه. فليست العبرة بمن يستطيع أن يتكلم باسم العلم، وإنما بمن يستطيع أن يقيم الدليل على ما يقول، ويتحمل مسؤولية ما ينتهي إليه.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى