حين يودع الوابل جامعته… حكاية وفاء بدأت من عيون الخرج

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
الإلهام الحقيقي تصنعه قصص واقعية، وسير مميزة لأشخاص تركوا بصماتهم في مجالات متنوعة، وأسهموا في تنمية الوطن، وانشغلوا ببناء إنجازاتهم وصناعة أثر طيب يصعب أن تمحوه السنوات. ومن بين هذه السير، تأخذنا حكاية الوابل إلى عيون الخرج، حيث تبدأ قصة من الذكريات التي تسكن الوجدان مهما طال الزمن. هناك، حيث وجد الصغار في المياه فسحة للمرح والمغامرة، تعلم محمد بن إبراهيم الوابل السباحة، وبين ليالي الخرج ولقاءات الأهل والأصدقاء ومشاهد السينما التي أضفت على الأمسيات مذاقا خاصا، تشكلت ذكريات طفولته. كانت الحياة أكثر بساطة، وكانت التفاصيل الصغيرة تصنع فرحا كبيرا، وتغرس في النفس انتماء للمكان يرافق الإنسان مهما اتسعت به دروب الحياة.
وفي تلك البيئة، تشكلت ملامح شخصية ارتبطت بالأسرة والمجتمع، وكان للوالدين فيها أثر لا يمحوه الزمن. فقد كانت والدته، رحمها الله، نبراس حياته في الكرم وحسن التعامل، يفيض بيتها بالضيافة، وتقدم لزوارها ما لذ وطاب بطيب نفس ومحبة. كما اعتنت بإنتاج اللبن الذي امتد خيره إلى الجيران، في صورة تجسد أصالة المجتمع وتكافله. لم يكن اللبن مجرد غذاء مشروب مستساغ، بل كان وسيلة للمودة، وعنوانا لعلاقة طيبة تجمع البيوت والقلوب.
ومن ذلك البيت حمل محمد قيم الوفاء والإحسان، فبنى عبر سنوات عمره صداقات وعلاقات محلية ودولية، وظل حسن التواصل وفعل الخير جزءا من حضوره الإنساني وعلاقته وتقصيه لاصحابه وزملائه. رحم الله والديه، وجزاهما خير الجزاء على حسن التربية وجميل الأثر، فقد كان غرسهما من البذور التي أثمرت في شخصيته وعلاقاته ومسيرته.
وتنحدر اسرة الوابل العريقة من جذور تمتد من عقدة حائل، مرورا بالقصيم والبدائع، وصولا إلى الخرج التي شهدت ولادة بطل وطني، واحتضنت جانبا من طفولته وتكوينه. ومنها اتجه إلى دراسة علوم الأغذية والزراعة في جامعة الملك سعود، لتبدأ رحلة علمية لم تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل اتسعت إلى البحث والتطبيق والعمل المؤسسي.
لم يكن محمد أكاديميا تقليديا يكتفي بالمسارات المألوفة، بل كان محبا للإبداع والابتكار، يسعى إلى استكشاف الأفكار الجديدة وتحويلها إلى مبادرات نافعة. وبعد دراسته الجامعية، حصل على الدكتوراه من جامعة كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عمل في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، حيث تتقاطع المعرفة مع احتياجات التنمية، وتظهر قيمة البحث في قدرته على تقديم حلول للتحديات الوطنية.
وعاد د. محمد إلى مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، ومن ثم ودعها ليكتب فضلا اخر من الابداع بجامعة الملك سعود، التي ارتبطت بها محطات أساسية من حياته، فتولى رئاسة قسم علوم التربة لأطول فترة تولى فيها الرئيس لفترتين منفصلتين، ثم عميدا لعمادة البحث العلمي. وفي هاتين المسؤوليتين، التقى التخصص العلمي بالإدارة الأكاديمية، بما تتطلبه من دعم الباحثين، وتعزيز الإنتاج العلمي، وتهيئة بيئة تشجع الابتكار والعمل الجماعي.
وفي عام 2019، نال الوابل جائزة المكتبة الرقمية للانتاج العلمي السعودي المنشور في قواعد المعلومات العالمية، ضمن تكريم جامعة الملك سعود بوصفها الجامعة الأعلى تأثيرا في مجال الزراعة من وزارة التعليم، كما حصل في العام نفسه على جائزة التميز البحثي في العلوم الزراعية من الجامعة. وجاءت هاتان المحطتان لتبرزا حضور البحث الزراعي في مسيرته وأهمية الإنتاج العلمي في خدمة التنمية.
وامتد حضوره الأكاديمي العالمي إلى خارج المملكة، ففي عام 2018 شارك أستاذا فخريا في جامعة التعليم بهونج كونج، في تجربة تعكس انفتاحه على التعاون الدولي وتبادل الخبرات العلمية.
ومن أبرز مبادراته تأسيس المجموعة السعودية لأبحاث الفحم الحيوي عام 2011، بقيادته من قسم علوم التربة بكلية علوم الأغذية والزراعة في جامعة الملك سعود. وقد جمعت المجموعة باحثين وأكاديميين وطلابا من داخل المملكة وخارجها، وتخرج عدد من طلاب الماجستير والدكتوراك، واهتمت المجموعة بمجال واعد يقوم على الاستفادة من المخلفات العضوية وتحويلها إلى مورد يسهم في تحسين خصائص التربة ودعم الاستدامة الزراعية والبيئية. وفي هذه المبادرة تتجلى نظرته الابتكارية، إذ رأى في المخلفات فرصة للبحث والتطوير، وفي المعرفة وسيلة لتقديم حلول عملية تخدم الأرض والإنسان.
ولم تتوقف النجاحات الملهمة، ففي حياته الأسرية، تتجلى ثمرة أخرى يعتز بها الأب، فقد رزق الله الوابل بثلاثة أبناء من المتميزين بين خريجي كلية الهندسة بجامعة الملك سعود، يتسنمون مناصب خدمية وتنموية تسهم في مسيرة الوطن. وهي فرحة تتجاوز النجاح الدراسي والعملي إلى رؤية الأبناء وهم يحملون العلم إلى ميادين العمل والمسؤولية، ويواصلون الإسهام في خدمة مجتمعهم.
واليوم، حين يودع الوابل جامعته، فإن الحكاية أكبر من انتقال من مرحلة وظيفية إلى أخرى. إنها رحلة بدأت من عيون الخرج وذكرياتها، وتغذت على قيم الأسرة وكرم الأم وفضل الوالدين، ثم مضت عبر الدراسة والبحث والابتكار والمسؤولية الأكاديمية، لتترك أثرا في تخصص علمي ومبادرات بحثية وعلاقات إنسانية امتدت داخل الوطن وخارجه.
وهكذا تمضي سنة الحياة في الجامعات، يتسلم الأستاذ مكتبه من زميل سبقه، ثم تأتي لحظة يسلمه فيها إلى زميل آخر، كما تسلمه د. محمد الوابل ذات يوم ممن سبقوه، لتستمر مسيرة العلم وتتجدد المسؤوليات بتعاقب الأجيال. واليوم، وقد حانت لحظة مغادرته مكتبه، فإن ما قدمه الوابل لا يغادر الجامعة معه، فالمكاتب تتغير شاغلوها، أما الإرث العلمي فيبقى حاضرا في البحوث التي أسهم فيها، والمبادرات التي شارك في بنائها، والباحثين والطلاب الذين التقى بهم واشرف عليهم وعلى دروب المعرفة. تلك هي قيمة العطاء الأكاديمي، أن يمضي صاحبه وتظل بصمته ممتدة، وأن يصبح ما زرعه من علم وخبرة أساسا يبني عليه الآخرون، فتظل الجامعة وفية لرسالتها، ويظل أثر الأستاذ حيا في ذاكرة المكان ومسيرة الأجيال.
وستظل الخرج بعيونها ولياليها وذكرياتها حاضرة في وجدان بطلنا، كما سيظل فضل الوالدين راسخا في القلب، وتبقى فرحة الأسرة والأبناء امتدادا جميلا لمسيرة العمر. فالأجمل في النجاح أن يجمع الإنسان بين علم ينفع، وخلق طيب، ووفاء للجذور، وعمل يخدم الوطن.
هكذا يودع الوابل جامعة الملك سعود، محتفظا بذكرياته واعتزازه، فيما تبقى البذور التي زرعها في البحث العلمي قابلة للنمو. فالأستاذ قد يغادر موقعه، لكن أثره يبقى في المعرفة التي أسهم في إنتاجها، والمبادرات التي شارك في بنائها، والأشخاص الذين أحسن إليهم، والأجيال التي تواصل المسيرة. وتلك هي الحكاية التي تستحق أن تروى، حكاية إنسان لم تنفصل فيها رحلة العلم عن قيم الأسرة، ولم يبتعد فيها النجاح عن الوفاء والعطاء.
ومع طي هذه الصفحة، نتمنى للدكتور محمد الوابل التوفيق في مسيرته المقبلة، وأن تكون المرحلة القادمة امتدادا لحياة عامرة بالإنجاز، وبابا لفرص جديدة من العطاء والمسؤولية. فما تركه من إرث علمي ومهني ليس أمرا يسهل استنساخه أو تكراره، فقد تشكل عبر سنوات من العمل المتواصل، والتضحيات بالوقت والجهد، والإسهام في بناء معرفة تراكمية تستفيد منها الأجيال القادمة.
شكرا لكل لحظة قضاها الوابل في جنبات الجامعة ومؤسسات الوطن، مشاركا ومبدعا ومنتجا، وشكرا لكل فكرة آمن بها، ومبادرة أسهم في إطلاقها، وجهد بذله ليكون العلم أكثر اتصالا باحتياجات الوطن. فالمناصب تمضي، وتتداول الأجيال المسؤوليات، لكن العطاء الصادق يظل حاضرا في ذاكرة المؤسسات، ويستمر أثره في كل إنجاز يحمل شيئا من بذوره.
للتواصل : [email protected]



