على رسلكم.. الأجداد كانوا يملكون “البوصلة”!

✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
أحياناً، وأنت تتأمل هذا الركض اليومي المحموم، وتلك التعقيدات التي تملأ حياتنا المعاصرة، تشعر وكأننا نعيش في “متاهة” صنعناها بأيدينا. نركض خلف نظريات “التنمية البشرية” المستوردة، ونشتري كتب “إدارة الأعمال” المترجمة، بينما الحلول –كل الحلول– تجلس دافئة هناك.. في مجالس الأجداد، وتحت ظلال بيوتهم الطينية القديمة، حيث كانت الحياة تُعاش بالفطرة والذكاء الفطري الحاد.
الأولون لم يدرسوا في “هارفارد”، ولم يعرفوا منصات التداول الرقمية، لكنهم تخرجوا في مدرسة “الحياة المفتوحة”، وصاغوا لنا خمس وصايا ذهبية، لو تأملناها اليوم لعلمنا كم كنا نجهل ونحن نظن أننا نعلم!
يا بائع.. اقنع بـ “سومة” الصباح!
في تجارة اليوم، يظن البعض أن الشطارة هي المقايضة على آخر قرش، أو حبس البضاعة حتى يطير سعرها في السماء. لكن حكمة الأجداد تقول: “سومة الربح لا ترفضها حتى وإن كانت قليلة”. إنها فلسفة القناعة والتدوير الذكي؛ فالربح القليل المستمر يفتح أبواب البركة، ويحرك السوق، ويصنع للتاجر اسماً وسمعة. الطمع –كما نعرف جميعاً– يفسد التدبير، وقبول الربح المتاح اليوم أفضل بكثير من انتظار “سراب” الغد.
الصلح “سيد الأحكام”.. ولو على مضض
كم من قضية في المحاكم، وكم من جفوة بين الأقارب امتدت لسنوات، والسبب: عزة نفس في غير موضعها! هنا يتدخل العقل القديم ليقول: “كلمة الصلح لا تتردد في قبولها وإن جارت”. الأجداد يدركون أن التنازل القليل في سبيل لم الشمل هو عين العقل، فحتى لو شعرت بأن الصلح جار عليك قليلاً أو لم يمنحك حقك كاملاً، فاقبله؛ لأن ما تشتريه من سلامة الصدر، وراحة البال، وحقن الضغائن، يفوق ملايين الريالات التي تضيع هباءً في ردهات الخصام.
لا ترمِ حجراً في بئر لا تسقيك!
كم نستهلك من طاقاتنا في معارك وهمية؟ وكم نضيع من جهد في نقاشات عقيمة على منصات التواصل وفي مجالسنا؟ المثل يقول بوضوح: “الهدف الذي لا تستطيع أن تُصيبه لا ترميه ولو بحجر”. إنه توجيه بليغ لترشيد الجهد؛ فإذا كنت تعرف أن هذا الأمر لن يثمر، وأن تلك القضية لن تتغير، فلماذا ترفع حجر جهودك لترميه؟ وفر الحجر، ووفر الجهد، فالمعركة التي لن تنتصر فيها، يكون انسحابك منها هو الانتصار الحقيقي.
مجالس لا تزيدك وعياً.. اعتزلها فوراً
الوقت هو العمر، والأجداد كانوا يبخلون بالوقت إلا فيما ينفع. وصيتهم الصارمة تقول: “السوق الذي لا تربح فيه ولو كلمة لا تهبطه”. وإذا أسقطنا هذه الحكمة على واقعنا اليوم سنمتلئ دهشة؛ فكم من سوق رقمية، أو مجلس واقعي نهبطه كل يوم فنخرج منه صفر اليدين! المكان الذي لا تخرج منه برزق يعينك، أو بوعي ومعرفة وثقافة ترفع من قدر عقلك –ولو بكلمة واحدة– هو مكان لا يستحق خطوتك. اعتزل البيئات التي تستهلكك ولا تبنيك.
النار تموت.. حين يغيب الحطب!
ونصل إلى قمة الذكاء الاجتماعي والنفسي في إدارة الخلافات: “الخصومة مثل القبس إذا لم تزد حطباً ماتت من نفسها”. الخصومة تبدأ شرارة صغيرة (قبس)، والشرارة لا تحرق بلداً إلا إذا قذفنا في جوفها الحطب، والحطب هنا هو الرد المتشنج، والقيل والقال، والعناد. إذا أردت أن تخمد أي مشكلة أو إساءة موجهة إليك، فطبق “التجاهل الذكي”؛ لا تمنح الخصومة حطباً من وقتك أو أعصابك، وستشاهد كيف تذبل وتنطفئ من تلقاء نفسها، وتبقى أنت هادئاً، مبتسماً، وصحيح البنية والروح.
خاتمة وتنوير:
إن العودة إلى هذه الحكم ليست نكوصاً إلى الوراء، ولا هي تمسك بالقديم لمجرد أنه قديم. التنوير الحقيقي هو أن نعرف كيف نمد حبالاً متينة بين ماضينا الممتلئ بالحكمة، وحاضرنا الممتلئ بالصخب. هذه الكلمات التي قالها الأجداد بعفوية، هي في حقيقتها كبسولات وقائية تحمي اقتصادنا، وصحتنا النفسية، وعلاقاتنا الاجتماعية. رحم الله أجدادنا، ما تركوا لنا شيئاً إلا ووضعوا عليه علامة ودليلاً.. فقط علينا أن نقرأ بأعينٍ باصرة.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



