كتاب الرأي

جمال الروح.. الجمال الذي لا تهزمه السنين ولا تنال منه عوامل التعرية

    ✍️ العميد. م ندى الخمعلي – كاتب سعودي :

جمال الروح هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن للزمان أن ينال منه ولا تتمكن عوامل التعرية أن تنال منه فالجمال الحقيقي ليس ملامح وجه تتغير مع مرور السنوات ولا مظهراً خارجياً تفرضه معايير الموضة وتتبدل أذواق الناس حياله بل هو نور يسكن أعماق الإنسان وينعكس على كلماته وتصرفاته ومواقفه وطريقة تعامله مع الآخرين.

قد يلفت جمال الوجه الأنظار من النظرة الأولى لكن جمال الروح هو الذي يستقر في القلوب ويصنع مكانة لا تستطيع الأيام محوها فكم من إنسان امتلك جمال الملامح لكنه افتقد جمال المعاملة وكم من إنسان بسيط في مظهره عظيم في أخلاقه ترك في النفوس أثراً جميلاً لا يمحوه الغياب ولا تطويه المسافات.

إن جمال الروح يتجلى في طيبة القلب وصدق المشاعر ونقاء السريرة والتواضع والوفاء والقدرة على العفو والتماس الأعذار للآخرين كما يظهر في كلمة طيبة تقال في وقتها وموقف نبيل لا ينتظر صاحبه مقابلاً ويد تمتد للمساعدة دون منّ أو أذى وقلب يفرح لفرح الآخرين ولا يحمل في داخله حقداً أو حسداً.

أما عوامل التعرية التي تواجه الإنسان في رحلة الحياة فهي كثيرة فقد تكشف المواقف معادن البشر وتغير المصالح وجوه بعضهم وقد تتبدل الأحوال وتتغير العلاقات وتنكشف الأقنعة التي طالما أخفت حقيقة النفوس لكن الإنسان الذي يستند إلى أخلاقه وقيمه يظل ثابتاً على مبادئه لا تغيره المغريات ولا تفسده المصالح ولا تجعله تقلبات الحياة يتخلى عن أصالته.

ولعل أجمل ما في جمال الروح أنه يزداد عمقاً مع النضج والتجارب فكل موقف يعلمنا درساً وكل تجربة تمنحنا حكمة وكل ألم نتجاوزه برقي يضيف إلى أرواحنا معنى جديداً. فالسنوات قد تترك آثارها على الوجوه لكنها لا تستطيع أن تنتزع من القلب الطيب قدرته على الحب ولا من النفس الكريمة شجاعتها في التسامح ولا من الإنسان الأصيل وفاءه لمن أحسنوا إليه.

وقد أرشدنا ديننا الحنيف إلى أن قيمة الإنسان الحقيقية ترتبط بقلبه وعمله وأخلاقه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم. وهو معنى عظيم يذكرنا بأن المظاهر مهما بلغت لا تغني عن نقاء القلب وصلاح العمل وحسن الخلق.

إننا بحاجة إلى أن نعيد ترتيب مقاييس الجمال في حياتنا فلا نحكم على الناس من صورهم ولا نقيس قيمتهم بما يملكون ولا نمنح المكانة لمن يحسن الظهور فقط بل لمن يحسن التعامل ويحفظ الود ويصون العشرة ويقف مع الآخرين في أوقات الشدة قبل الرخاء.

وفي زمن أصبح فيه الاهتمام بالمظهر شاغلاً لكثيرين تبقى الروح الجميلة استثماراً لا يخسر صاحبه أبداً لأنها تترك أثراً طيباً في كل مكان تحل فيه وتجعل صاحبها محبوباً حتى في غيابه ومذكوراً بالخير حتى بعد رحيله.

الخلاصة أن جمال الوجه قد يكون هبة من الله لكن جمال الروح اختيار تصنعه الأخلاق وتثبته المواقف وتزكيه الأيام. فاعتنوا بأرواحكم كما تعتنون بمظهركم وازرعوا في قلوبكم المحبة والتسامح والوفاء فهذه هي الثروة التي لا تفقد قيمتها مع الزمن والجمال الذي لا تستطيع عوامل التعرية أن تنال منه.

فما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا وقد ترك خلفه وجوهاً تبتسم حين يُذكر اسمه وقلوباً تدعو له وذكريات طيبة تشهد له بأن جماله الحقيقي لم يكن يوماً في ملامحه بل في روحه وأثره وأخلاقه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى