شموخ الوطن ومآلات المشروع الحوثي.. قراءة تاريخية

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
لا يمنحنا التاريخ حكمًا قطعيًا على المستقبل، لكنه يكشف أنماطًا متكررة في سلوك القوى ومآلات مشروعاتها، ويتيح فهم أسباب بقاء الدول وتعثر المعتدين عليها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة شموخ المملكة العربية السعودية، واستحضار تجارب العدوان التي واجهتها، وتأمل ما تحمله من دروس للمشروع الحوثي الذي يراهن على السلاح والتوسع واستنزاف الجوار.
وشموخ الوطن ثمرة تاريخ من الصمود والتلاحم، وقدرة متجددة على تجاوز المحن واستعادة القوة. فالدولة السعودية، عبر مراحلها الممتدة نحو ثلاثة قرون، واجهت تحديات جسيمة، لكنها حافظت على جذور حضورها، ونهضت بعد عثراتها، حتى استقرت في دولة تجمع أبناءها على وحدة سياسية راسخة، وتملك أسباب حماية سيادتها ومقدساتها ومكتسباتها.
والشواهد التاريخية كثيرة، على سبيل المثال لا الحصر: انكسار القوات الغازية في وادي الصفراء عام ١٨١٢م، وهزيمة القوات المهاجمة في تربة عام ١٩١٩م، والاعتداءات التي تعرّضت لها مناطق الجنوب من قوات نظام عبدالناصر في ستينيات القرن العشرين، الموافقة لثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري. ثم جاءت حرب الوديعة عام ١٩٦٩م، وانتهت بطرد القوات المعتدية، وأعقبها عدوان نظام صدام حسين إبان غزوه الكويت، واعتداؤه على الخفجي عام ١٩٩١م، الذي انتهى بتحريرها ودحر قواته على أيدي القوات السعودية والقوات المساندة.
ولا تعني هذه الشواهد أن مسيرة الدولة خلت من الخسائر والمحن؛ وإنما تدل على أن الاعتداء عليها لم يستطع إلغاء وجودها أو كسر إرادة أهلها. ذهب أولئك المعتدون، وبقيت السعودية شامخة بقادتها وشعبها ومقدساتها ومبادئها. ومن هنا تصبح قراءة التاريخ ضرورة لمن يتوهّم أن العدوان على هذه البلاد يضمن له مجدًا أو بقاءً.
ولفهم الجذور الأقدم لمقاومة التوسع في جنوب الجزيرة العربية، أستدعي نصًا تاريخيًا وصلني من أحد المهتمين، ويستحق إخضاعه للبحث العلمي والتوثيق، لما يتضمنه من معطيات عن أحداث القرن العاشر الهجري. وتضع الرواية أحداثها إبان إمامة شرف الدين وابنه المطهر، قبيل الغزو العثماني الأول لليمن عام ١٥٣٨م، الموافق ٩٤٤–٩٤٥هـ، كما تورد زعامات قبلية واجتماعية لا يتسع المقام لذكرها وتفصيل أدوارها.
وتكشف الرواية محاولة توسيع نفوذ سلطة الإمامة بالقوة في سراة جنب التاريخية، التي كانت تُعرف بإمارة السراة، وتُعرف اليوم بمحافظة سراة عبيدة، إحدى محافظات منطقة عسير المعروفة تاريخيًا بـ«السروات». وقد واجهت تلك المحاولة مقاومة شعبية من أبناء هذه الأرض، دفاعًا عن أرضهم واستقلالهم ومعيشتهم.
فالذين وصفهم كاتب السيرة بالمروق والعصيان والأشقياء كانوا، في هذه القراءة، وطنيين أحرارًا أُباةً، رفضوا سلطة الإمامة الزيدية ومشروعها التوسعي، وقاوموها بقوة السلاح، وألحقوا بجيشها الهزيمة. وما سمّاه «تأديبًا» كان، بحسب روايته، حصارًا وتخريبًا للعمران وقطعًا للغروس وموارد العيش. وهنا تظهر أهمية قراءة لغة المصدر إلى جانب أحداثه؛ إذ يمنح الكاتب فعل السلطة غطاءً دينيًا، ويجرّد المقاومة من مشروعيتها، فيتحول الدفاع عن الأرض في عباراته إلى عصيان، والخراب إلى تأديب.
وتتضح جغرافية المواجهة من المواضع التي يوردها النص في سراة جنب وما وراءها إلى بلاد وادعة؛ إذ يذكر درب الحنيش وجزعة ابن الحنيش، وحصارها واتخاذ غدير العروس موضعًا لمعسكر الجيش. ثم يروي تعرّض مؤخرة الجيش الزيدي المنسحب، بعد فشله في تحقيق أهدافه من إخضاع أهل السراة، لهجوم سنحان في الحمرة، ووصول خبر ذلك إلى قيادته المندحرة عند القبضة من منازل وادعة. كما ورد ذكر وقشة والصقريين وغيرهم من أبناء السراة ومكوّناتها التاريخية. وتمنح هذه الأسماء والمواضع الرواية بُعدًا اجتماعيًا وجغرافيًا، وتُظهر امتداد المقاومة إلى مسار الجيش وانسحابه.
كما تكشف الرواية عن قوة الروابط القبلية في السروات التاريخية وما يتصل بها من تهامة ونجران، وعن تعاضدٍ بين سنحان وجنب من جهة، ويام من جهة أخرى، في مقاومة الجيش الزيدي الغازي ورفض الرضوخ لسلطته. وقد أدركت سلطة الإمامة خطورة هذا التعاضد، فطرح كاتب السيرة أفكارًا في التعامل معهم، تقوم على قطع المدد بين الأغوار والنجود، وتخريب الدروب، وارتهان الزعماء؛ بما يبرز أثر التواصل بين المناطق واتساع الروابط المحلية في استمرار المقاومة وصعوبة إخضاعها.
وتتداخل في هذه المواجهات عوامل المذهب والثأر والمعيشة والتنافس على النفوذ، فلا يصح اختزالها في عامل واحد. غير أن دلالتها السياسية الأبرز تتمثل في خطورة تحويل ادعاء الحق الديني في الحكم إلى مسوّغ لإخضاع الناس بالسلاح، ثم وصم مقاومتهم بالمروق. واستحضار هذا التاريخ يهدف إلى فهم ممارسات سلطة الإمامة ومشروعها التوسعي، دون تعميم أحكامها على أتباع مذهب بأسره.
ومن هذه المقاومة المحلية ننتقل إلى معنى الوحدة الوطنية: فإذا استطاع أبناء هذه الأرض، بما عُرف عنهم من الشجاعة والإباء والغيرة على ديارهم، مقاومة التوسع قبل تأسيس الدولة السعودية، وهم يفتقدون قيادة سياسية واحدة تجمعهم، فإنهم اليوم أشد قوة ومنعة، وأرسخ عزمًا ووحدة.
وقد جمع الملك عبدالعزيز تلك الشجاعة والإباء تحت راية واحدة، وأرسى وحدة سياسية جمعت القلوب والصفوف، لتغدو، في تقديري، أنجح وحدة سياسية عربية بما حققته من رسوخ وأمن وتنمية. وفي ظلها تضافرت مآثر شعب كريم، عريق الأمجاد والمروءة، مع وفاء أسرة حاكمة وقيادة تبني وتحمي وترعى؛ فتعززت قوة الوطن في حماية سيادته وخدمة الحرمين الشريفين وإغاثة المحتاج. واليوم تتعاظم هذه المنعة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مستندة إلى شعب وفي، ومؤسسات مقتدرة، وقوات باسلة، ورؤية طموحة.
وفي ضوء هذا الامتداد التاريخي، تُقرأ مآلات المشروع الحوثي؛ فالعبرة ليست بتطابق الماضي والحاضر، وإنما بتشابه نهج التوسع بالسلاح، وادعاء الحق المنفرد في الحكم، والاستهانة بإرادة الناس وقوة الجوار؛ وهي اختيارات تحمل أسباب الاستنزاف والعزلة. ولا تمنح مفاهيم «الخروج والدعوة» في تراث الإمامة الحوثي حق احتكار اليمن أو استباحة دماء أبنائه والاعتداء على جيرانه؛ فاليمنيون أحق بدولة تستمد شرعيتها من رضاهم، وتصون كرامتهم، وتحقق أمنهم وتنميتهم.
وكلما أصر الحوثي على العدوان واستعادة حكم الإمامة بالغلبة، عمّق أسباب تعثره؛ ولن تضمن إيران أو غيرها بقاءه، فالدعم الخارجي لا يعوّض غياب القبول ولا يعصم من عواقب السياسات. وهكذا يقابل شموخ الوطن ووحدته مشروع يستنزف نفسه بالحرب والتوسع؛ وثقتنا بالله، ثم بقيادتنا ورجالنا وتلاحم شعبنا، راسخة في حماية الوطن ودحر العدوان، والسعيد من اتعظ بغيره.
حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وأيّد رجالها بنصره، وردّ كيد المعتدين إلى نحورهم، وأعان الشعب اليمني على استعادة دولته وأمنه وكرامته.
للتواصل : [email protected]



