﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾

زاوية ” جمعتنا آية”
✍️حسن المقصودي -كاتب سعودي:
حين يرحل كبار العائلة، أولئك الذين كانوا بمثابة الأوتاد التي تشدّ خيمة العائلة الكبيرة، تلتفت الأسر حولها فتشعر ببرودة الفراغ. غياب الآباء والأجداد ليس مجرد غياب لأشخاص، بل هو غياب لـ مغناطيس الود الذي كان يجذب الجميع إلى نقطة ارتكاز واحدة مهما تباعدت مشاربهم. في تلك اللحظة الفارقة، يقف الإخوة والأقارب أمام اختبار مكشوف: إما أن تظل الخيمة قائمة بوعيهم، أو أن تذروها رياح الانكفاء والماديات.
هنا يأتي الدستور الإلهي العظيم في سورة الإسراء ليكشف لنا عن هندسة العلاقات الأسرية، واضعاً قانوناً يحمي البيوت من التفكك بعد رحيل صمام أمانها: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
إنها دعوة لضبط مسافات الأمان، وتشييد جدران من المحبة الموزونة التي لا تذوب في الاختلاط المفرط، ولا تجف في عتمة الهجران.
وهج الراحلين.. ومسؤولية البناء المستدام:
لقد كان الكبار يملكون تفويضاً فطرياً لإدارة الخلافات وتلطيف الأجواء، وبذهابهم تنتهي مرحلة الرعاية الأبوية المباشرة وتبدأ مرحلة الرشد الأخوي والمسؤولية المشتركة. إن الوفاء الحقيقي لأولئك الذين غادروا دنيانا—وكانوا أساس هذا التواجد والتكوين الذي قدره الله—ليس في البكاء على أطلال مجالسهم، بل في الحفاظ على الإرث الإنساني والروحي الذي زرعوه فينا. ضبط المسافة هنا يبدأ من اليقين بأننا اليوم كبار الغد، وأن تماسك العائلة لم يعد مسؤولية شخص واحد، بل هو عقد شرعي وأخلاقي يتشارك فيه الجميع، ليبقى ذكر الراحلين حياً بالبر والصلة المتصلة.
هندسة المسافات.. لا اقتراب يخنق ولا ابتعاد يجفو:
في غياب المرجعية الأبوية، يرتكب البعض خطأين متناقضين؛ إما محاولة تقمص دور (الوصي) على الإخوة وأسرهم مما يولد الحساسيات، أو الانعزال التام بحجة الانشغال بمتطلبات الحياة المعاصرة. هندسة المسافات المعاصرة تعني أن نحب بعضنا بذكاء؛ أن نقترب بالقدر الذي يسند، ونبتعد بالقدر الذي يحترم خصوصية كل بيت صغير واستقلاليته القانونية والاجتماعية. إن احترام حدود العائلات الجديدة وظروفها المادية والاجتماعية هو أعلى درجات الود، فالمحبة الحقيقية هي التي تمنح الطرف الآخر مساحة ليتنفس دون قيود أو ملامة.
التي هي أحسن.. المصفاة الأخلاقية للكلمات:
الآية الكريمة لم تقل يقولوا الحسنى، بل اختارت اسم التفضيل (الأحسن)؛ لأن الشيطان يتربص بالكلمات العادية ليحولها في غياب الكبار إلى قنابل موقوتة. في بيئاتنا الأسرية المعاصرة، نحتاج إلى مصفاة أخلاقية لكل كلمة، ونبرة صوت، ورسالة نصية عبر وسائل التواصل. التي هي أحسن تعني التغافل الذكي، وحمل المحامل على المحمل الطيب، ورفض الدخول في مهاترات العتب المتبادل. الكلمة الطيبة بعد رحيل الآباء هي الحبل السري الذي يغذي رحم العائلة بالبقاء والنماء.
سد منافذ النزغ.. حين يتحول العتب إلى قطيعة:
حذرنا القرآن الكريم من (النزغ)، وهو الحركة الخفية التي يفسد بها الشيطان العلاقات عبر سوء الظن وتضخيم الهفوات الصغرى. بعد رحيل الكبار، قد تثور نقاشات حول التركات، أو أسلوب التواصل، أو حتى تفاصيل المناسبات الاجتماعية؛ وهنا ينشط (النزغ). الثبات المطلق يقتضي منا أن نرفع شعار ((العائلة خط أحمر )) لا يقبل التخمين أو التفسير السيئ؛ فإذا دخل الشيطان من باب المقارنات أو العتب، أغلقناه بباب العذر والتماس الأعذار، مستمسكين بمسافة الأمان التي ترضي الله وتكبح الخلاف قبل أن ينمو.
خاتمة تنويرية: أثر يبقى.. ونور لا ينطفئ:
إن بيوتنا أمانات، والعائلات محطات اختبار لسلامة الصدور. حين نضبط مسافاتنا على إيقاع (التي هي أحسن)، فإننا لا نحمي علاقاتنا الإنسانية فحسب، بل نرفع لأرواح آبائنا وأمهاتنا الراحلين منارات من الحسنات لا تنقطع؛ إذ يرون غراسهم يثمر وداً متصلاً.
إن هذا التنبيه واجب على كل إنسان يؤمن بحق الوالدين اللذين كانا أساس هذا التكوين؛ فعلينا اليوم مسؤولية وجودية للحفاظ على هذه اللبنات الصالحة التي كرمنا الله بأن جعلنا أحد أركان بنيانها المرصوص. لنكن نحن الامتداد النقي، ولنجعل من كلماتنا جسوراً تعبر بها العائلة نحو شواطئ الاستقرار، سائلين المولى أن يديم المحبة في قلوبنا، وأن يجمع شملنا على عينه ورضاه.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



