كتاب الرأي

لا تحتقر البدايات… فهناك تُصنع المهارات

          ✍️سلوى الجهني – كاتبة سعودية :

يستوقفني كثيرًا أولئك الذين تُعرض عليهم فرص تطويرية، أو تجارب عملية، أو أعمال يمكن أن تحقق لهم دخلًا محددًا، فيسارعون إلى رفضها؛ لأن العائد لا يوازي طموحاتهم، أو لأن الفرصة لا تتناسب مع ما يتطلعون إليه، رغم أنهم لم يخوضوا تجارب كافية، ولم يمتلكوا بعد المهارات التي تؤهلهم للوصول إلى ما يطمحون إليه.
يريدون القفز إلى القمة دون صعود الدرج، والتحليق في السماء دون أن يمتلكوا جناحين!
وهنا أتساءل: كيف ننتظر نتائج كبيرة ونحن لم نستثمر في بناء قدراتنا؟ وكيف نطالب بعوائد مجزية ونحن لم نمنح أنفسنا الوقت الكافي للتعلم والتجربة؟
إن الفرص الصغيرة ليست صغيرة دائمًا، وإنما نحن من لا ندرك أحيانًا ما تخبئه لنا من إمكانات.
حين تصلك فرصة، فلا تنظر إلى ما ستجنيه منها اليوم فقط، بل تأمل ما يمكن أن تضيفه إلى رصيدك غدًا. ربما تمنحك مهارة جديدة، أو توسع دائرة علاقاتك، أو تكشف لك جانبًا من قدراتك لم تكن تعرفه، أو تفتح أمامك بابًا لم تكن تتوقع الوصول إليه.
قد تبدأ بمهمة بسيطة، أو مشاركة تطوعية، أو عمل محدود العائد، ثم تكتشف أنك اكتسبت خبرة عملية، وتعلمت مهارات التواصل، وأتقنت إدارة الوقت، وأصبحت أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار.
وهذه مكاسب لا تظهر دائمًا في حسابك البنكي، لكنها قد تكون من أهم الاستثمارات التي تصنع مستقبلك المهني.
ليست كل المكاسب مادية
من المؤسف أن ننظر إلى كثير من الفرص من زاوية العائد المادي وحده، فنغفل ما يمكن أن تمنحنا إياه من قيمة معنوية، وخبرة عملية، وشعور بالإنجاز، وأثر إيجابي في حياة الآخرين.
فالعمل التطوعي، والمشاركة في المبادرات، وخدمة المجتمع ليست أعمالًا بلا قيمة لمجرد أنها لا تحقق دخلًا مباشرًا؛ بل قد تكون ميادين ثرية لاكتساب الخبرات، واكتشاف القدرات، وبناء العلاقات، وتطوير الشخصية.
حين تسهم في تنظيم مبادرة، أو تشارك في فريق تطوعي، أو تقدم خدمة لمجتمعك، فأنت لا تمنح الآخرين وقتك وجهدك فحسب، بل تمنح نفسك أيضًا فرصة للتعلم والممارسة واكتساب خبرات يصعب أن تحصل عليها بمجرد القراءة أو التنظير.
ولا يعني ذلك أن نقبل كل عمل دون مقابل، أو أن نسمح للآخرين باستغلال جهودنا، بل أن ندرك أن قيمة الفرصة لا تُقاس بالمال وحده، وأن نُحسن التمييز بين فرصة تستحق الاستثمار فيها، وأخرى تستنزف وقتنا دون عائد حقيقي.
المهارات لا تُكتسب بالتمني
المهارات تُبنى بالممارسة، والتجارب تُكتسب بالمحاولة، والخبرة لا تأتي بمجرد الرغبة في امتلاكها.
في التجربة تتعلم، وفي المحاولة تكتشف، وفي الخطأ تصحح، وفي التكرار تتقن.
ولعل من أجمل ما تمنحنا إياه البدايات أنها تتيح لنا مساحة للتعلم، واختبار قدراتنا، واكتشاف جوانب القصور لدينا، ثم العمل على تطويرها.
فحين تخوض تجربة جديدة، فإنك تتعلم كيف تواجه التحديات، وتتعامل مع المواقف المختلفة، وتبحث عن الحلول، وتتحمل مسؤولية قراراتك. ومع مرور الوقت، تتحول هذه التجارب إلى رصيد من الخبرة يساعدك على خوض فرص أكبر بثقة وكفاءة.
فلا تنتظر أن تصبح خبيرًا حتى تبدأ، بل ابدأ لتصبح خبيرًا.
ولا تجعل خوفك من الخطأ سببًا لرفض التجربة؛ فالخطأ الذي تتعلم منه قد يكون خطوة ضرورية نحو الإتقان، ما دمت تراجع أداءك، وتستفيد من ملاحظات الآخرين، وتسعى إلى التحسين المستمر.
لا تجعل العمر عائقًا أمام التعلم
قد يعتقد البعض أن اكتساب المهارات وخوض التجارب مرتبطان بمرحلة عمرية معينة، أو أن الفرص التطويرية مخصصة للمبتدئين وصغار السن، وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة.
فالتعلم لا يتوقف عند عمر محدد، والإنسان يستطيع أن يطور قدراته في مراحل حياته المختلفة، متى امتلك الرغبة والاستعداد.
إن كنت في بداية طريقك، فابدأ بما تستطيع، وإن كنت قد أمضيت سنوات طويلة في مجال معين، فلا يمنعك ذلك من تعلم مهارة جديدة أو خوض تجربة مختلفة أو المشاركة في عمل تطوعي يضيف إلى خبراتك.
ليس المهم أين تقف اليوم، بل ما الذي تفعله لتكون أفضل غدًا.
اختر فرصك بوعي، ولا تحتقر بداياتك
لا أدعوك إلى قبول كل فرصة تُعرض عليك، ولا إلى التقليل من قيمة وقتك أو مهاراتك، وإنما أدعوك إلى إعادة النظر في معاييرك عند تقييم الفرص.
اسأل نفسك: ماذا سأتعلم؟ ما المهارة التي سأكتسبها؟ هل ستضيف هذه التجربة إلى خبرتي؟ هل ستوسع علاقاتي؟ وهل تتناسب متطلباتها مع وقتي وقدراتي وأهدافي؟
إذا وجدت فيها قيمة حقيقية، فلا ترفضها لمجرد أن بدايتها متواضعة أو أن عائدها محدود، ما دامت ظروفها مناسبة ولا يترتب عليها استغلال أو ضرر.
فليس كل عمل صغير طريقًا إلى نجاح كبير، ولكن كل تجربة واعية تمنحك فرصة لفهم نفسك، وتطوير قدراتك، وتحسين اختياراتك المستقبلية.
لا تحتقر البدايات، ولا تستعجل النتائج، ولا تطلب من نفسك حصادًا لم تزرع بذوره بعد.
ابدأ بخطوة، واكتسب مهارة، واخض تجربة، وامنح نفسك فرصة للتعلم. فالمكانة المهنية لا تُبنى بالأمنيات وحدها، والطموح لا يتحقق بمجرد الحديث عنه، وإنما يحتاج إلى عمل متدرج، وممارسة مستمرة، واستعداد لتطوير الذات.
وتذكّر أن من تراه اليوم متمكنًا في مجاله، ربما بدأ يومًا بمهمة بسيطة، أو فرصة محدودة، أو تجربة لم تكن في حساباته، لكنه أحسن استثمارها، وتعلم منها، ثم انتقل إلى ما هو أكبر منها.
فربما تكون الفرصة التي ترفضها اليوم لأنها صغيرة، هي الخطوة التي كنت تحتاج إليها لتصل إلى ما تراه كبيرًا غدًا.
فلا تنتظر أن تُفتح لك الأبواب الكبيرة وأنت لم تجرّب طرق الأبواب الصغيرة؛ فقد تكون البدايات المتواضعة هي المدرسة التي تُعدّك لما هو أعظم.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى