حين تتّسع البصيرة

✍️ عائشه السبيعي -كاتبه سعوديه :
ليس النضج أن نُحسن قراءة الوجوه فحسب، بل أن نفهم طبيعة الحياة دون أن نفقد نقاء أرواحنا،
وأن ندرك أنّ لكلّ شيءٍ زاويته، ولكلّ حقيقةٍ وقتها، ولكلّ موقفٍ لغته التي قد تعجز الكلمات عن ترجمتها.
لا أُطفئ شيئًا من نوري لأُثبت للظلام أنّه عتمة، ولا أُجادل الظلّ في حقيقة الشمس؛ فليس من الحكمة أن نُرهق الوضوح في شرح نفسه، ولا من الضروري أن تتّفق جميع العيون على رؤية المشهد ذاته.
فاختلاف الزوايا لا يُغيّر حقيقة الأشياء، وإن غيّر صورتها في أعين الناظرين.
ومع مرور الأيام، ندرك أنّ الأفعال أبلغ من فصاحة القول، وأنّ المعاني مهما اختبأت خلف الكلمات، لا بدّ أن تجد طريقها إلى الظهور.
فالحياة لا تكشف أسرارها دفعةً واحدة، بل تُكمل الصورة على مهل، وتترك للمواقف مهمّة إظهار ما عجزت البدايات عن توضيحه.
ولعلّ أجمل ما يتعلّمه المرء في رحلته أنّ حسن الظنّ خُلُق، وأنّ البصيرة حكمة، وأنّ الجمع بينهما لا يكون بإغماض العين عن الواقع، ولا بفتح أبواب الشكّ على مصاريعها، بل برؤية الأشياء كما هي، دون مبالغةٍ في تفسيرها أو إصرارٍ على تجميلها.
فالتغاضي ليس دائمًا غفلة، والصمت ليس بالضرورة عجزًا، والابتعاد لا يعني الهزيمة.
قد يكون الصمت مساحةً للتأمّل، وقد يكون الابتعاد احترامًا لاختلاف المسارات، وقد يكون عدم التدخّل أرقى أشكال الفهم.
وليس كلّ ما نراه يستدعي حكمًا، ولا كلّ ما نفهمه يحتاج إلى إعلان.
إنّ الكبرياء الحقيقي ليس في التعالي على الآخرين، بل في ألّا يفقد الإنسان اتّزانه حين تختلف الأشياء عمّا توقّعه، وألّا يجعل من كلّ اختلافٍ معركة، أو من كلّ غموضٍ قضيةً تستنزف راحته.
فهناك فرقٌ بين أن نرى الحقيقة وننشغل بمحاكمة تفاصيلها، وبين أن نفهم الحياة ونحاول إجبارها على أن تسير وفق تصوّراتنا.
ومع اتّساع البصيرة، تتغيّر طريقة النظر، فنصبح أقلّ استعجالًا في الحكم، وأكثر قدرةً على فهم التناقضات، وأهدأ في التعامل مع ما لا نملك تغييره.
نتعلّم أن نترك لكلّ شيءٍ مساره، ولكلّ موقفٍ دلالته، دون أن نُحمّل التفاصيل أكثر ممّا تحتمل، أو نُحمّل أنفسنا عبء تفسير كلّ ما يحدث.
فالنور لا يستمدّ من اعتراف العتمة حقيقة إشراقه، ولا يقف على أبواب العيون مستأذنًا كي يُثبت أنّه نور. فالشمس لا تُطفئ ضياءها لأنّ بعض النوافذ أُغلقت دونها،
ولا تفقد السماء اتّساعها لأنّ عينًا لم ترَ منها سوى الغيم. وللظلّ مكانه ما دام الضوء حاضرًا، غير أنّه مهما امتدّ، لا يستطيع أن ينتحل هيئة الشمس.
وهكذا هي الحقائق؛ لا ينقصها إنكار، ولا يزيدها اعتراف، إنّما لكلّ عينٍ زاويتها، ولكلّ بصيرةٍ اتّساعها، وبين ما تراه الأبصار وما تدركه العقول مسافةٌ لا يختصرها الجدل، بل يكشفها الزمن.
فليس على النور أن يُقنع الظلال بضيائه، ولا على الحقيقة أن تُرهق نفسها بالدفاع عن وجودها؛ فبعض الأشياء يكفيها أن تكون،
ليأتي الوقت ويكشفها كما هي.
ولعلّ أرقى ما يبلغه الإنسان من النضج أن يرى دون أن يتعجّل الإدانة، ويفهم دون أن يستنزفه الجدل،
ويُحسن الظنّ دون أن يُعطّل بصيرته.
أن يحافظ على نقاء قلبه دون أن يشترط على العالم أن يشبهه، وأن يتمسّك بمبادئه دون أن يجعل اختلاف الآخرين عنها سببًا لفقدان سلامه.
فكلّما اتّسعت البصيرة، قلّت الحاجة إلى التفسير؛ إذ يدرك الإنسان أنّ الحكمة ليست في أن يكشف كلّ شيء، بل في أن يعرف ما يستحقّ التأمّل، وما يكفيه أن يتركه يمضي .
للتواصل : [email protected]



