النرجسي

✍️ أحلام أحمد بكري – قاصة وكاتبة راي :
في حكاية الله تعالى عن فرعون في كتابنا الكريم في قولهِ تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾ [النازعات]..
أصبح فرعون رمز (الأنا) وشهد التاريخ ميلادِ ظاهرةٍ نفسيّةٍ ما زالت تُلقي بظلالها على العلاقات الإنسانيّة حتى اليوم ، إنها (الشخصيّةُ النرجسيّةُ) هي ليست مجرّدَ غرورٍ عابرٍ أو ثقةٍ مفرطةٍ بالنفس ، بل هي بنيةٌ نفسيّةٌ معقّدةٌ تنطوي على جرحٍ عميقٍ يُخفى تحت قناعِ العظمة..
فرعون نواة الشخصية النرجسية التي يمكن تعريفها نفسياً إنها الشخصيةٌ التي تجعل من ذاتها مركزًا للعالم ، المُتلذذ بسجن الآخرين والتحكم فيهم ، وجعلهم جمهوراً ينتظر منهم التبجيل والتعظيم..
الشخصية النرجسيّة هي حبُّ تقدير الذات المُبالغ فيه درجة الهوس العقلي ، يُعرفُ النرجسيُّ بحاجته الدائمة إلى أن يكونَ محورَ الحديث ، وبإحساسهِ بأنّه “مميّزٌ” لا يفهمهُ إلا قلّةٌ مختارة ، يُبالغُ في إنجازاته ويحلمُ بنجاحاتٍ لا حدود لها ويستخفُّ بمن حوله ويغضبُ غضبًا حاداً عند أيّ نقدٍ ولو كان بسيطاً ، مع قدرتُهُ اللافتةُ على الاستغلال فهو يرى الآخرين أدواتٍ لتحقيقِ مآربه لا كائناتٍ مستقلّةً لها مشاعرُها وحقوقُها مع الحاجة الملحّة إلى الإعجاب ، وضعف القدرة على تفهُّم مشاعر الآخرين أو مراعاتها في بعض المواقف ، مع حساسية ملحوظه تجاه التجاهل ، الاختلاف مع النرجسي تحدياً لكرامته ، والنقد سهماً يستوجب الرد ، حتى تغدو العلاقة معه معركةً خفية بين حاجته المستمرة إلى الإعجاب ، وحاجة الآخرين الطبيعية إلى التقدير والاحترام..
ليست كلُّ نفسٍ تحب ذاتها نرجسية ، وليست كلُّ ثقةٍ بالنفس غروراً فبين أن يعرف الإنسان قدره وأن يظنَّ أنه فوق أقدار الآخرين ، مسافةٌ طويلة تكشفها المواقف وتفضحها العلاقات وتختبرها الأيام..
حبُّ الذات ضرورةٌ تحفظ للإنسان كرامته، أما النرجسية حين تتضخم فقد تتحول إلى مرآةٍ لا يرى صاحبها فيها إلا صورته ، ولا يسمع فيها إلا صدى صوته ، ولا يعترف في حضرتها إلا بأهمية وجوده..
قد يبدو صاحبها واثقًا بنفسه ، حاضرًا في المجالس ، لبقاً في الحديث ، قادراً على استقطاب الأنظار ، وربما بدا في بدايات العلاقات إنساناً استثنائياً يعرف كيف يختار كلماته ويُحسن تقديم صورته ، غير أن هذه الصورة قد تخفي وراءها حاجةً مستمرة إلى الشعور بالتفوق وخوفًا من أن يُنظر إليه بوصفه إنسانًا عادياً ، يخطئ ويصيب ويحتاج إلى الآخرين كما يحتاجون إليه..
النرجسي الذي يبدو شديد الإعجاب بنفسه قد لا يمتلك دائماً ذلك الاستقرار الداخلي الذي توحي به صورته فقد تكون ثقته متينة في بعض الجوانب وقد تكون صورته عن ذاته شديدة التأثر بمدى إعجاب الآخرين به وتقديرهم له..
عندما نسأل عن صفات الشخصية النرجسية ومن أين اكتسبها وكيف أصبح بهذا النمط النفسي..؟
يجمعُ علماءُ النفسِ على أنّ الجذورَ تمتدُّ إلى الطفولةِ المبكّرة ، فالإفراطُ في التمجيدِ غيرِ المشروطِ قد يُنتجُ طفلًا يعتقدُ أنّ العالمَ يدورُ حوله تماماً ، كما يُنتجُ الإهمالُ العاطفيُّ أو النقدُ القاسيُّ طفلاً يبني قناعَ العظمةِ درعاً يحميه من شعورٍ دفينٍ بأنّه غيرُ كافٍ ، وفي الحالتين يتوقّفُ النموُّ العاطفيُّ عند نقطةٍ حرجة فيبقى الطفلُ الداخليّ يبحثُ عن إعجابٍ لم يحصل عليه في وقته..
النرجسية لا تدخل إليه من بابٍ واحد ولا تتشكل ملامحها بالضرورة في مرحلة محددة من حياته فقد تتداخل فيها الاستعدادات الشخصية والتجارب المبكرة والبيئة الأسرية والاجتماعية وطرائق التعلم والتعامل مع الآخرين..
أبرز الصفات التي يكتسبها النرجسي هي:(تضخيم الذات والشعور بالتفوق-الحاجة المستمرة إلى الإعجاب-ضعف التعاطف مع مشاعر الآخرين- الحساسية المفرطة تجاه النقد-صعوبة الاعتذار وتحمل المسؤولية- المنافسة والحسد والمقارنة)..
النرجسي يقلل من أي إنجازاتك ، يشكك في قراراتك ويزرع فيك تردد ، يلعب دور الضحية دايم ويقلب الخطأ عليك بطريقة ذكية ، يستنزفك بالكلام ثم يختفي وقت الجد ، يحسسك بالذنب إذا حطيت حدود ، ينقل الكلام ويبررها بالنصيحة ، يحب السيطرة أكثر من التعاون ، يضحك قدامك وينتقدك من وراك ، يطلع أسوأ ما فيك ثم يلومك عليك.
النرجسية ليست بالضرورة ثمرة تدليلٍ مفرط أو قسوةٍ في التربية وحدهما ؛ بل قد تنشأ من تفاعل معقد بين الاستعدادات النفسية والتنشئة والخبرات الحياتية والبيئة الاجتماعية ، ولا ينبغي أن تتحول معرفة الجذور إلى تبرير للأذى ، ففهم أسباب السلوك شيء وقبول نتائجه المؤذية شيء آخر..
نصل الان إلى أثرُ النرجسيّ على من حوله ومن يتعامل معهم بشكل شخصي ، هو من أشدّ الآثارِ إيلاماً لأنّه خفيٌّ ومتراكم فالشريكُ أو الصديقُ أو الزميلُ يعيشُ في دوّامةٍ من الشكّ في الذات ، يُلامُ على كلّ شيء ويُشعرُ بأنّ مشاعره غيرُ موجودة وأنّ وجودهُ رهنُ خدمته للنرجسيّ وتنشأُ علاقاتٌ قائمةٌ على التذبذبِ بين التمجيدِ والتقليل ، تُستنزفُ فيها الطاقةُ النفسيّةُ حتى يجدَ الضحيّةُ نفسَهُ منهكًا يبحثُ عن إجاباتٍ لأسئلةٍ ومواقف لم يرتكبْها..
مع الآخرين لا يظهر أثر الشخصية النرجسية دائماً في صخبٍ أو شجار فقد يكون أحياناً أكثر هدوءً وخفاءً يتسلل إلى العلاقات ببطء حتى يجد الإنسان نفسه تُستنزف طاقته في محاولة فهم ما يحدث بدلًا من أن يعيش العلاقة بطمأنينة..
النرجسي يستنزف مشاعر الآخرين ويضعف ثقتهم بأنفسهم ، يحول العلاقة إلى ساحةٍ لإثبات الذات ، ويقلب الطاولة على الأخر فهو دائماً على حق والآخر مخطأ ، ينشر التوتر في الأسرة والعمل والمجتمع لأنه يريد التحكم بهم وفرض رأيه وشخصيته عليهم..
التعاملُ مع النرجسيّ ليس معركةً نربحُها بل (فنُّ حمايةِ الذاتِ) من دونِ الدخولِ في صراعٍ عبثيّ..
وأوّلُ خطوةٍ في التعامل معه هي (الوعي) أن تُدركَ أنّك أمام نمطٍ نفسيٍّ راسخٍ لا يتغيّرُ بالحبّ ولا بالإقناع ، ومن هنا تأتي (الحدودُ الصارمةُ) كأداةٍ للبقاء ، حدودٌ واضحةٌ في الوقتِ والجهدِ والمالِ ، تُعلنُ بهدوءٍ وتُطبَّقُ بثباتٍ من دونِ اعتذار..
ثمّ يأتي فنُّ (التفاعلِ الرمادي) أن تكونَ مملًّا في ردودك ، محايدًا في انفعالاتك ، فلا تمنحُ النرجسيَّ وقودَ الإعجابِ أو الغضبِ الذي يتغذّى عليه ولا تحاولْ أن تنتصر في نقاشٍ معه..
والأهمُّ من كلّ ذلك أن تُعيدَ (بناءَ تقديرك لذاتك) بعيدًا عن مرآته ، وأن تُحيطَ نفسك (بعلاقاتٍ صادقةٍ) تُذكّرك بقيمتك الحقيقيّة.
وأخيراً لا بأسَ أن تطلبَ العونَ من (مختصٍّ نفسيٍّ) إن كان الأثرُ قد استوطنَ داخلك فإنّ الشفاءَ من أثر التعامل مع النرجسي ممكنٌ ، شرطَ أن نكفَّ عن انتظارِ اعتذارٍ لن يأتي من نرجسي وأن نختارَ في النهاية أنفسنا نحنُ ، بدلًا من الدورانِ الأبديّ في فلكِ شخصٍ لن يكفيهِ كونُهُ شمساً ساطعة على الكون..
للتواصل : [email protected]



