كتاب الرأي

الأذن تحتاج أيضاً إلى كمامة!

  ✍️ ع.م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :

في زمن كثرت فيه الأحاديث وتعددت فيه المجالس، وأصبح نقل الكلام أسرع من التحقق منه، نكتشف أننا لا نحتاج إلى كمامة تحمي أنوفنا وأفواهنا من الفيروسات فحسب، بل نحتاج أيضاً إلى كمامة معنوية تحمي آذاننا من فيروس أخطر على العلاقات الإنسانية، ألا وهو فيروس القيل والقال.

إن القيل والقال ليس مجرد كلمات تتناقلها الألسن، بل قد يكون شرارة تشعل خلافاً بين الأصدقاء، وسبباً في تفكك الأسر، وأداة لهدم الثقة بين الزملاء، ووسيلة لتشويه سمعة الأبرياء. فكلمة واحدة قد تستغرق ثواني في نطقها، لكنها تترك جرحاً يحتاج إلى سنوات حتى يلتئم، وربما لا يلتئم أبداً.

والمشكلة ليست دائماً فيمن ينقل الكلام، بل فيمن يستقبله دون تمحيص، ويمنحه أذناً صاغية، ثم يعيد نشره وكأنه حقيقة لا تقبل الشك. فكم من علاقة انتهت بسبب وشاية، وكم من صداقة انكسرت بسبب حديث منقول، وكم من إنسان ظُلم لأن أحدهم نقل عنه كلاماً لم يقله، أو حرّف حديثه عن معناه ومقصده!

وقد حذّرنا ديننا الإسلامي من آفات اللسان، فقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]. كما قال النبي ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.

إن الوقاية من هذا الفيروس الأخلاقي تبدأ من الوعي، وتتحقق حين نمتنع عن الإصغاء لكل ما يُقال، ونرفض أن نكون جسراً يعبر عليه الكلام المسيء إلى الآخرين. فإذا جاءك من يقول: هل سمعت ماذا قال فلان؟ فاجعل حكمتك تسبق فضولك، واسأل نفسك: ما الفائدة من سماع هذا الكلام؟ وهل نقله سيصلح أم يفسد؟ وهل أرضى أن يتحدث الناس عني بالطريقة نفسها؟

وليس المقصود أن نغلق آذاننا عن النصيحة أو نتجاهل التحذير من ضرر حقيقي، وإنما أن نفرّق بين الكلام الذي يهدف إلى الإصلاح، والكلام الذي غايته إثارة الفتن وتأجيج الخلافات. فالنصيحة تُقال بصدق ولغرض مشروع، أما القيل والقال فيتغذى على الفضول وسوء الظن وتتبع العثرات.

وفي حياتنا اليومية، نحن بحاجة إلى ثقافة تحترم غياب الآخرين كما تحترم حضورهم، وتحفظ أسرار المجالس، وتصون الكرامات، وتدرك أن نقل الكلام ليس دليلاً على الذكاء الاجتماعي، وأن معرفة أخبار الناس ليست إنجازاً، وأن الصمت في بعض المواقف حكمة لا ضعف.

ختاماً، إذا كانت الكمامة تحمينا من بعض الفيروسات التي لا نراها، فإن كمامة الوعي تحمينا من كلمات قد لا نرى أثرها في اللحظة الأولى، لكنها تتسلل إلى القلوب وتفسد ما بين الناس.

فلنمنح آذاننا حصانة من القيل والقال، وألسنتنا رقابة من نقل الأخبار، وقلوبنا مساحة لحسن الظن؛ فليس كل ما يُسمع يستحق التصديق، وليس كل ما يُعرف يستحق النشر، وليس كل ما يُقال يستحق أن نكون طرفاً فيه.

احمِ أذنك من القيل والقال، كما تحمي جسدك من الأمراض؛ فبعض الكلمات عدوى، وبعض الصمت وقاية، وبعض التجاهل صحة للعلاقات وراحة للبال.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى