الرسائل الإخوانية.. قيمتها الأدبية ودلالاتها التاريخية

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
للرسائل الإخوانية مكانة في الأدب العربي؛ فهي نثر أدبي يتبادله الأصدقاء والأقارب تعبيرا عن مشاعرهم وصلاتهم الإنسانية، بعيدا عن الطابع الرسمي. وتتسع للتهنئة والتعزية والشوق والعتاب والاعتذار والسؤال عن الأحوال، وتمتاز بصدق العاطفة، وألفة العبارة، وحرية الأسلوب، وجمال التعبير من غير تكلّف.
وقد استوقفتني معاني هذا الفن وأنا أقلّب رسائل والدي الشيخ عبدالله بن علي بن جفشر الحنيش، رحمه الله رحمة واسعة، وأوراقه ووثائقه؛ إذ وجدت بينها مراسلات عديدة تبادلها مع شقيقه وأقاربه وأبناء عمومته وعشيرته وقبيلته وزملائه، تمتد تواريخها من منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى مطلع التسعينيات.
لم تكن تلك الرسائل سؤالا عن الأحوال وتبادلا للتحايا فحسب؛ بل احتوت على مضامين ودية واجتماعية وأدبية، ورصدت جوانب من التحولات الاجتماعية والنهضة التنموية في أبها والرياض، وتضمّنت مطالبات لوالدي تتصل بالمصالح العامة لأبناء قبيلته، وعرضا لاحتياجات قبيلته ومحافظته آنذاك، كما ضمّت صفحات توثّق شيئا من تاريخ قبيلته وجغرافيتها. وهي أمور نصّت عليها تلك الأوراق، التي كُتبت بعفوية وصدق، فحفظت إلى جانب مشاعر أصحابها جانبا من هموم مجتمعهم وتطلعاته.
ولمست فيها صدق الانتماء للوطن، ورسوخ الولاء للقيادة، وتطلّعا واثقا إلى المستقبل؛ إذ كان كُتّابها يرصدون في تلك الأيام بشائر نهضة بدأ فجرها يشرق، ويعبّرون عن آمالهم في اتساعها وامتداد خيرها إلى قبيلتهم ومحافظتهم وسائر أرجاء الوطن. ومن هنا تتجاوز قيمة هذه الرسائل خصوصية أصحابها، بما تحمله من شواهد على حياة المجتمع واهتماماته وصلاته في تلك المرحلة.
وفي بعض تلك الأوراق اجتمع جمال الخط بجمال الأسلوب وعمق المشاعر، فكانت الرسالة تُقرأ لما تحمله من خبر، ثم يُعاد تأمّلها لما تنطوي عليه من أدب ووفاء. وما زلت أرى فيها تحفا أدبية ووثائق اجتماعية تستحق الحفظ والدراسة والنشر.
ومع دخول الهاتف إلى حياتنا، ثم انتشار الجوال وتطبيقات التواصل، انحسر حضور الرسالة الورقية، وغلب الاختصار على كثير من مراسلاتنا. أصبح الوصول إلى الآخرين أيسر، لكن الرسالة المطوّلة، التي يمنحها كاتبها وقتا وتأملا وعناية، باتت أقل حضورا؛ حتى خُيّل إلينا أن هذا الفن يوشك أن يغيب.
غير أن رسالة وصلتني في الأيام القليلة الماضية أعادت إليّ شيئا من ذلك الأنس القديم. فقد سعدنا بإنجاز علمي لأحد أبناء الوطن، تربطنا به أواصر الرحم والقربى والانتماء، وهو الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن درع آل خزيم من أبناء قبيلة وقشة قحطان بمحافظة سراة عبيدة(سراة جنب التاريخية- السراة) فأرسلت عبر تطبيق «واتساب» تهنئة له ولوالده الكريم، قلت فيها:
(أبارك لكما هذا الإنجاز العلمي، وأخصّك بالتهنئة أخي البروفيسور علي بمناسبة اختيارك ضمن قائمة «ستانفورد–إلسفير» لأعلى ٢٪ من الباحثين الأكثر استشهادا بأبحاثهم عالميا لعام ٢٠٢٥ في الهندسة الميكانيكية؛ وهو إنجاز نفخر به كأبناء القبيلة وكأبناء الوطن، وتقرّ به عين والدك الكريم.
والتهاني موصولة للوالد الشيخ علي بن سعيد بن درع بن خزيم، وآل درع خاصة، وكافة آل خزيم عامة، سائلا الله أن يبارك لك في علمك وعملك، وينفع بك، ويديم عليكم التوفيق والتميّز.)
وغالبا ما تأتي الردود في مثل هذه المناسبات بكلمات موجزة، مكتوبة أو صوتية، تؤدي الشكر وتحمل التقدير؛ غير أنني سعدت برسالة إخوانية وافية من البروفيسور علي، جاء فيها:
(تلقيت ببالغ الشكر وعظيم الامتنان رسالتكم الكريمة ومشاعركم الصادقة المباركة بمناسبة اختياري ضمن قائمة «ستانفورد–إلسفير» للباحثين الأكثر استشهادا عالميا لعام ٢٠٢٥.
إن هذه التهنئة الطيبة والكلمات النبيلة ليست بمستغربة عليكم، وهي دلالة واضحة على صدق الأخوة وحرصكم الدائم على مشاركة أبناء القبيلة والوطن أفراحهم وإنجازاتهم. وإنني إذ أشكر لكم هذه اللفتة الكريمة، لنسأل الله عز وجل أن يبارك في جهودكم، وأن يديم علينا جميعا نعم الأمن والإنجاز والتوفيق، وأن ينفع بما نقدمه خدمة لديننا ثم مليكنا ووطننا الغالي.
جزاكم الله خيرا، ودعواتي لكم بدوام الصحة والعافية والتوفيق.)
أعادتني رسالته إلى مراسلات والدي، رحمه الله، ورسائل والده وعمه، الوالدين الجليلين والشيخين الكريمين، اللذين يُضرب بهما المثل في الوفاء والتلازم والتقدير المتبادل، والقيام بحقوق الأخوّة وصون عهدها، حفظهما الله وأدام عليهما الصحة والعافية. وما جمعهم بأسرتنا من روابط تاريخية وصلات قربى ومودة ووفاء جعل لهذه الرسالة وقعا خاصّا في نفسي؛ إذ وجدت فيها امتدادا لأدب الآباء، وعناية بالمخاطَب، ومشاركة في الفرح، واعتزازا بالأسرة والقبيلة والوطن، ودعاء بأن يكون العلم نافعا.
وقد أسعدني أن يظل هذا الأدب حيّا لدى الأبناء؛ فالوسائل تتغيّر، وتبقى للرسالة الصادقة قدرتها على توثيق المحبة وحفظ ملامح أصحابها. وأسأل الله أن ييسّر قريبا دراسة ما حفظته من رسائل والدي وأقاربه وأصحابه ونشره؛ وفاء لهم، وإبرازا لقيمتها الأدبية والاجتماعية والتاريخية، وصونا لصفحات عزيزة من ذاكرة مجتمعنا.



