كتاب الرأي

ما لا نعرفه عن الذين نعرفهم

      ✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :

كم شخصاً في حياتك تستطيع أن تقول إنك تعرفه حقاً؟
قد يبدو السؤال غريباً، فنحن نعرف أسماء كثيرة، ونحفظ ملامح أصحابها، ونعرف طباعهم، وربما نتحدث معهم كل يوم.
لكننا حين نتأمل معنى المعرفة، نكتشف أن ما نعرفه عن الإنسان قد يكون أقل بكثير مما نظن.
فنحن نعرف الشخص الذي يضحك معنا، لكننا لا نعرف دائماً ما الذي يشغله حين يعود إلى بيته. ونعرف الذي اعتاد السؤال عنا، لكننا قد لا ننتبه إلى الأيام التي كان ينتظر فيها من يسأل عنه.
والغريب أننا أحياناً نحكم على الناس من خلال الجزء الذي نراه منهم، وكأن ما غاب عن أعيننا غير موجود.
نقول عن أحدهم إنه قليل الكلام، ولا يخطر ببالنا أنه ربما يحمل من الحكايات ما لا يعرف كيف يرويه.
ونصف آخر بأنه قوي، حتى ننسى أن القوة التي اعتدنا رؤيتها فيه لا تعني أنه لا يتعب.
وربما نفاجأ يوماً بتصرف من شخص نعرفه منذ سنوات، فنتساءل كيف لم نعرف عنه هذا الجانب، دون أن نسأل أنفسنا إن كنا قد حاولنا معرفته أصلاً.
ليست المشكلة دائماً في أن الآخرين يخفون حقيقتهم عنا، بل في أننا نكتفي أحياناً بما اعتدنا رؤيته منهم.
ومع مرور الوقت، تتحول تصوراتنا إلى أحكام، وتصبح الأحكام حدوداً لا نسمح للإنسان أن يتجاوزها، حتى لو تغير ونضج وأصبح شخصاً مختلفاً.

وهنا تكمن مفارقة تستحق التأمل:
قد نعرف الإنسان سنوات طويلة، لكننا نظل نتعامل معه كما كان في أول يوم عرفناه فيه.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نعرفهم، ألا نحبسهم داخل معرفتنا القديمة بهم، وأن نترك لهم مساحة ليكونوا مختلفين عما اعتدناه.
فليس مطلوباً أن نعرف كل شيء عن الآخرين، ولا أن نفتح كل الأبواب المغلقة في حياتهم.
يكفي أن ندرك أن لكل إنسان عالماً لا نراه، وأن ما نجهله عنه يستحق منا التواضع قبل إصدار الأحكام.
وربما يكون أصدق ما نقوله عن إنسان عرفناه طويلاً، أننا ما زلنا نتعرف إليه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى