كتاب الرأي

نور يمشي أمامي وخلفي

حين يصبح اليقين بالله نورًا يرافق الروح في كل اتجاه

     ✍️ إلهام المحمدي – كاتبة سعودية :

هناك نور لا تراه العيون، لكنه يسكن القلب، نور لا تمنحه لنا الشمس، ولا تصنعه الظروف الجميلة، ولا نستمده من وجود الآخرين في حياتنا. إنه نور اليقين بالله، ذلك النور الذي نشعر به حين تضيق الطرق، وتتشابه الاتجاهات، وتغيب الإجابات، ومع ذلك يبقى في أعماقنا صوت مطمئن يقول: إن الله معي.

وصلت إلى مرحلة من الوعي أدركت فيها أنني لست بحاجة إلى معرفة كل ما ينتظرني حتى أشعر بالأمان، ولا إلى ضمانات بشرية حتى أمضي مطمئنة. يكفيني أن أؤمن بأن الله يعلم ما أمامي وما خلفي، وما أخفيه في قلبي وما أعجز عن التعبير عنه.

نور يمشي أمامي حين لا أعرف الطريق، ونور يرافقني من خلفي حين أحاول التحرر من ظلال الماضي.

في رحلة الحياة، مررنا جميعًا بلحظات شعرنا فيها أن الطريق أصبح غامضًا، وأن ما خططنا له لم يحدث، وأن بعض الأبواب أُغلقت دون أن نفهم السبب. وربما وقفنا طويلًا أمام أسئلة لم نجد لها إجابات، نحاول أن نفهم لماذا تغيرت الظروف، ولماذا تأخرت الأمنيات، ولماذا لم تكتمل بعض الحكايات كما تمنينا.

لكنني تعلمت أن ليس كل طريق مجهول طريقًا مخيفًا، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل نهاية خسارة.

أحيانًا يكون النور الحقيقي هو ذلك الوعي الذي يولد في داخلنا بعد تجربة صعبة، حين ندرك أن ما حدث لا ينبغي أن يسلبنا قدرتنا على الحياة، وأن الماضي مهما كان مؤلمًا لا يملك الحق في أن يتحكم في مستقبلنا.

لقد أدركت أن النور الذي أحتاجه ليس نورًا يكشف لي تفاصيل الغد، بل بصيرة تجعلني أحسن اختيار خطواتي اليوم، ويقينًا يعينني على تقبل ما لا أستطيع تغييره.

فليس شرطًا أن أرى الطريق كاملًا حتى أخطو، بل يكفيني أن أرى الخطوة التي أمامي، وأسير متوكلة على الله.

ومن أعمق التحولات التي عشتها أنني لم أعد أنظر إلى الماضي باعتباره مكانًا للندم أو محاكمة الذات، بل أصبح جزءًا من رحلتي نحو الوعي.

كل تجربة علمتني شيئًا، وكل موقف كشف لي جانبًا من نفسي، وكل مرحلة تركت في داخلي أثرًا ساعدني على فهم الحياة بصورة أعمق.

لم أعد ألوم نسختي القديمة على قرارات اتخذتها بوعيها آنذاك، ولا أريد أن أحملها مسؤولية ما لم تكن تعرفه.

أصبحت أنظر إليها بمحبة ورحمة، وأقول لها: شكرًا لأنك حاولتِ، وشكرًا لأنك صبرتِ، واليوم نستطيع أن نختار بصورة أكثر نضجًا.

وهنا أدركت معنى أن يكون النور خلفي؛ ألا تظل ظلال الأمس تطاردني، وألا أسمح لذكرى مؤلمة أن تطفئ جمال اللحظة التي أعيشها.

أما النور الذي أمامي، فهو الأمل الذي لا ينقطع، والإيمان بأن أبواب الله أوسع من توقعاتي، وأن المستقبل ليس امتدادًا حتميًا لما مررت به في الماضي.

قد تتغير الظروف، وقد أفقد شيئًا كنت أظنه دائمًا، وقد أبدأ من جديد في عمر لم أتوقع أن أبدأ فيه، لكنني لم أعد أرى البدايات الجديدة تهديدًا لاستقراري.

بل أصبحت أراها فرصة لأعيش بصورة أقرب إلى حقيقتي، وأكثر انسجامًا مع قيمي وما أريده من هذه الحياة.

لقد تعلمت أن السلام مع الله ينعكس على علاقتي بنفسي وبالآخرين.

فحين يمتلئ القلب باليقين، تقل حاجته إلى إثبات ذاته أمام الجميع، ويصبح أكثر قدرة على التسامح دون استنزاف، وعلى الحب دون تعلق مؤلم، وعلى العطاء دون أن يفقد حدوده.

لم أعد أريد أن أكون نورًا للآخرين بينما أترك روحي في العتمة.

أريد أن أعتني بنفسي كما أعتني بمن أحب، وأن أمنح ذاتي الراحة التي تحتاجها، وأن أكون حاضرة في حياتي لا مجرد إنسانة تنشغل بإسعاد الجميع وتنسى نفسها.

فالنور الحقيقي لا يطلب منا أن نحترق حتى نضيء للآخرين، بل أن نحافظ على اتزاننا لنمنح من حولنا نورًا لا يستنزف أرواحنا.

وحين أتأمل قول الله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]

أستشعر عظمة الهداية الإلهية، وأدرك حاجتي الدائمة إلى نور البصيرة، وإلى قلب يعرف كيف يعود إلى الله كلما أرهقته الحياة.

وأردد من الدعاء النبوي الشريف:

«اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا».

فما أعظم أن يطلب الإنسان النور لقلبه قبل طريقه، ولبصيرته قبل قراراته، ولروحه قبل أن يبحث عنه في العالم الخارجي.

إنني لا أطلب حياة بلا اختبارات، ولا طريقًا بلا عثرات، ولا مستقبلًا يخلو من المجهول.

بل أسأل الله أن يمنحني نورًا أميز به بين ما يستحق السعي وما يستحق الترك، وبين ما يغذي روحي وما يستنزفها، وبين الخوف الذي يحذرني من خطر حقيقي والخوف الذي يمنعني من الحياة.

أسأله أن يجعلني أكثر وعيًا في اختياراتي، وأكثر رحمة في أحكامي، وأكثر صدقًا مع نفسي.

فقد أدركت أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير العالم من حوله ليشعر بالسلام؛ أحيانًا يحتاج إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى العالم.

أن يتوقف عن انتظار اللحظة المثالية ليبدأ العيش، وأن يرى النعم الموجودة بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصه، وأن يمنح نفسه فرصة للفرح دون خوف من زواله.

اليوم، لا أريد أن أمشي في الحياة وأنا ألتفت إلى الخلف بندم، أو أنظر إلى الأمام بقلق. أريد أن أمضي بقلب حاضر، وروح ممتنة، ويقين بأن الله لا يضيع من توكل عليه.

وإن تعثرت، سأتعلم النهوض. وإن أخطأت، سأراجع نفسي وأستغفر. وإن ضاق الطريق، سأبحث عن الأسباب وأستعين بالله، دون أن أفقد الأمل في رحمته.

فأنا لا أدعي أنني أعرف حكمة كل ما حدث لي، ولا أنني أملك تفسيرًا لكل ما سيأتي، لكنني أصبحت أكثر تصالحًا مع حقيقة أن علم الله أوسع من علمي، وأن بعض الإجابات لا نحتاج إلى معرفتها حتى نواصل الحياة بسلام.

وفي نهاية هذا الإدراك، أصبحت أرى أن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان في رحلته ليس كثرة ما يملك، ولا عدد من يرافقونه، بل قلبًا عامرًا بالإيمان، ونفسًا تعرف قيمتها، وروحًا لا تسمح للعتمة أن تصبح موطنها الدائم.

نور يمشي أمامي… هو أملي بالله فيما هو آتٍ.

ونور يرافقني من خلفي… هو رحمتي بنفسي وتصالحِي مع ما مضى.

ونور يسكن قلبي… هو يقيني بأن الله أقرب إليّ من كل مخاوفي.

اللهم اجعل لي من نور هدايتك نصيبًا، وأنر بصيرتي، وبارك خطواتي، ولا تجعل خوفي من المجهول يحجب عني جمال ما منحتني.

اللهم اجعلني أمضي في هذه الحياة بقلب سليم، ونية صادقة، وروح مطمئنة، واجعل النور في قلبي وأمامي وخلفي، وفي كل طريق أسلكه إلى ما تحب وترضى.

فلم أعد أبحث عن نور يأتيني من الخارج ليطمئنني، بل أسأل الله أن يملأ قلبي بنور الإيمان، حتى أمضي مطمئنة ولو لم تتضح أمامي جميع الطرق.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى