كتاب الرأي

نعرف كل شيء ولا نعرف قيمة كل شيء!

✍️ ع.م . ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي : 

يقول الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد: «في زمننا هذا الناس يعرفون كل شيء ولا يعرفون قيمة كل شيء». عبارة تختصر جانباً كبيراً من واقعنا المعاصر، وتفتح أبواباً واسعة للتأمل في الفرق بين امتلاك المعرفة وفهم قيمتها، وبين كثرة المعلومات وعمق الإدراك، وبين أن نعرف الأشياء وأن نحسن تقديرها.

نعيش اليوم في عصر أصبحت فيه المعلومة أقرب إلينا من أي وقت مضى، بضغطة زر نستطيع الوصول إلى آلاف الكتب والمقالات والأخبار والتجارب، ونتابع ما يحدث في أقصى الأرض لحظة بلحظة، حتى أصبح كثيرون يملكون إجابات عن أسئلة عديدة، لكن السؤال الأهم: هل زادت هذه المعرفة من حكمتنا؟ وهل تعلمنا كيف نقدر قيمة ما نملك قبل أن نفقده؟

المفارقة أن بعض الناس يعرفون قيمة المال ولا يعرفون قيمة القناعة، ويعرفون قيمة المناصب ولا يعرفون قيمة التواضع، ويعرفون كيف يكسبون العلاقات لكنهم لا يعرفون كيف يحافظون عليها. يتحدثون عن الوفاء ولا يمارسونه، ويرفعون شعارات الصداقة ثم يتخلون عن أصدقائهم عند أول اختبار، ويطالبون الآخرين بالاحترام بينما يبخلون عليهم بكلمة طيبة أو موقف نبيل.

لقد أصبحت المظاهر في كثير من الأحيان مقياساً للحكم على الأشخاص، وأصبح البعض يقيس النجاح بما يمتلكه الإنسان من مال وجاه وشهرة، متجاهلاً أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تختصرها أرصدته البنكية ولا عدد متابعيه ولا مكانته الاجتماعية، بل تظهر في أخلاقه ومواقفه وصدقه وقدرته على حفظ الجميل والوقوف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة.

والمؤلم أننا قد ندرك قيمة الأشياء بعد فوات الأوان؛ فلا نعرف قيمة الصحة إلا حين يطرق المرض أبوابنا، ولا قيمة الوالدين إلا حين نفتقد وجودهما، ولا قيمة الصديق الصادق إلا حين نحتاج إليه فلا نجده، ولا قيمة الوقت إلا عندما نكتشف أن سنوات العمر مضت في الانشغال بما لا يستحق. وكأن الحياة تعلمنا دروسها بالطريقة الأصعب، حين يصبح الندم بديلاً عن التقدير، والذكرى بديلاً عن الحضور.

إن المعرفة الحقيقية ليست في أن نحفظ الكثير من المعلومات أو نتقن فن الحديث، وإنما في أن نميز بين ما يستحق الاهتمام وما لا يستحقه، وأن نعرف متى نتكلم ومتى نصمت، ومتى نتمسك بالأشياء ومتى نتركها، وأن ندرك أن بعض القيم لا تشترى بالمال، وأن بعض الخسائر لا تعوضها المكاسب مهما عظمت.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى قيمة الشكر وعدم الاغترار بالنعم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وهي دعوة للتأمل في النعم التي تحيط بنا، ولعل من أعظم صور الجهل أن يعتاد الإنسان النعمة حتى ينساها، وأن ينشغل بما ينقصه عن تقدير ما بين يديه.

كما قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري، وفي ذلك تذكير بأن قيمة النعمة لا تكمن في امتلاكها وحده، بل في حسن استثمارها ومعرفة فضلها قبل أن تتغير الأحوال.

إننا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمعاييرنا في الحياة، وأن نعيد الاعتبار للقيم التي لا تصنعها الشاشات ولا تمنحها الشهرة، كالأمانة والرحمة والوفاء والتواضع وحفظ العهد. فليس كل مشهور عظيماً، وليس كل صاحب منصب ناجحاً في إنسانيته، وليس كل من يتحدث كثيراً يمتلك الحكمة، كما أن الإنسان قد يكون قليل الكلام عظيم الأثر.

خاتمة القول: إن المأساة ليست أن نجهل الأشياء، فلكل إنسان حدود في معرفته، وإنما المأساة أن نعرف ولا نفهم، وأن نمتلك ولا نقدر، وأن نرى النعم أمام أعيننا ثم نتصرف وكأنها حق مكتسب لا يستوجب الشكر. فالحكمة ليست أن تعرف قيمة كل شيء بالكلام، بل أن تمنح كل شيء قيمته الحقيقية بالفعل، قبل أن يأتي يوم تبحث فيه عما فقدت فلا تجده.

فكم من إنسان عرف أسرار العالم، لكنه عجز عن فهم قيمة قلب صادق، وكم من شخص امتلك الكثير، لكنه لم يعرف قيمة ما بين يديه إلا بعد الرحيل.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى