نائبات الفكر ….. حين تتوارى البصيرة خلف ضجيج المجتمع

✍️ د . آمنه ال عبدالسلام ـ سلطنة عمان:
ليست المجتمعات بما ترفعه من شعارات ولا بما تتداوله من أقوال، ولا بما تُظهره من مظاهر، وإنما بما تستبطنه من أفكار، وتتبنّاه من قيم، وتُترجمه من سلوك. فالفكر هو المنطلق الذي تتشكّل منه الرؤى، وتتفرّع عنه المواقف، وتنبثق في ضوئه معالم الوعي أو تتوارى خلف غيوم الوهم والالتباس. وحين يختلّ ميزان الفكر، تضطرب الأحكام، وتلتبس المفاهيم، ويغدو المجتمع عرضةً لآفاتٍ لا تُرى في بداياتها، ولكنّ آثارها تتكشّف مع مرور الزمن.
ونائبات الفكر ليست طوارئ عابرة، ولا عثراتٍ طارئة فحسب، بل هي اختلالاتٌ تتسلّل إلى الوعي الجمعي، وتتغلغل في منظومة القيم، حتى تستحيل مع التكرار مألوفًا، ومع الاعتياد مقبولًا، ومع الصمت أمرًا لا يستدعي السؤال أو المراجعة.
وهي لا تأتي دائمًا في صورة جهلٍ بيّن، بل قد تتخفّى في ثوب المعرفة، وتتزيّا بزيّ الحكمة، وتتوسّل بعباراتٍ براقة تخفي وراءها ضحالة الفكرة، وهشاشة المنطق، وغياب البصيرة.
ومن أخطر هذه النائبات أن تُستبدل الحقيقة بالشائعة، والحجة بالانطباع، والمعرفة بالتلقّي، وأن يصبح شيوع الفكرة دليلًا على صحتها، وكثرة مروّجيها برهانًا على صوابها. فكم من مقولةٍ انتشرت لا لقوة دليلها، بل لسهولة تداولها؛ وكم من رأيٍ استقرّ في الأذهان لا لسلامة منطقه، بل لتكراره على الألسن؛ وكم من حقيقةٍ أُقصيت لأنّها لا توافق الهوى، أو لا تنسجم مع المألوف، أو تستدعي شجاعةً في الاعتراف ومراجعةً في الموقف، وإذا كان الجهل آفةً تهدّد الوعي، فإنّ أشدّ منه خطرًا جهلٌ يتزيّا بثوب المعرفة، ويُخاصم النقد، ويأنف من المراجعة، ويحسب صاحبه أنّ امتلاك الرأي يغنيه عن امتلاك الدليل. فالعقل الذي لا يسأل يظلّ أسيرًا لما ورث، والفكر الذي لا يراجع يظلّ رهينًا لما ألف، والمجتمع الذي يُعلي شأن الادّعاء على حساب البرهان يفتح أبوابه للالتباس، ويمنح الوهم فرصةً للتسلّل إلى مواضع الحقيقة.
ومن نائبات الفكر كذلك أن تتحوّل المقارنة إلى عقدة، والاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى تجريح، والحوار إلى ميدانٍ للتنازع والانتصار للنفس. فتُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يقدّم، وبما يُظهر لا بما يُضمر، وبما يحظى به من تصفيقٍ لا بما يستحقّه من تقدير. وعندئذٍ تتراجع معايير الكفاءة، وتضطرب موازين الاستحقاق، ويُفسح المجال للمظاهر كي تتقدّم على الجواهر، وللضجيج كي يحجب صوت الحكمة والاتزان.
ولعلّ من أعمق أزمات الفكر الاجتماعي أن تتحوّل العادات إلى مسلّمات لا تُناقش، وأن تُمنح الموروثات حصانةً مطلقةً من الفحص والتمحيص، أو أن يُقابل كلّ جديدٍ بالرفض لمجرّد أنّه جديد، وكلّ اختلافٍ بالريبة لمجرّد أنّه يخالف السائد. وليس المقصود أن يُهجر الموروث أو أن تُفتح الأبواب لكلّ وافد، بل أن يُوزن الموروث بميزان الحكمة، ويُفحص الجديد بمعيار المعرفة، ويُفرّق بين ما يستحقّ البقاء لرسوخ قيمته، وما ينبغي تجاوزه لأنّ الزمن كشف قصوره، أو لأنّ الواقع أثبت عدم صلاحيته.
وفي زمنٍ تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتزاحم فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الآراء، لم يعد الخطر في قلّة ما يصل إلى الإنسان من معلومات، بل في عجزه عن التمييز بين غثّها وسمينها، وصحيحها وسقيمها، وموضوعيّها ومضلّلها. فقد اتّسعت منافذ المعرفة، لكنّها اتّسعت معها منافذ التضليل؛ وتعدّدت وسائل التعبير، لكنّها تعدّدت معها صور التزييف؛ وأصبح الوصول إلى المعلومة أيسر، غير أنّ التحقّق من صدقيّتها ما زال يحتاج إلى وعيٍ متيقّظ، وعقلٍ متأنٍّ، ونفسٍ لا تستسلم لإغراء التصديق السريع.
ولا تقلّ عن ذلك خطورةً ثقافة الأحكام المتعجّلة، التي تختزل الإنسان في موقف، وتحاكم الفكرة قبل فهمها، وتصدر الأحكام قبل استكمال الصورة. فكم من علاقةٍ أفسدها سوء الظن، وكم من حوارٍ أجهضه التسرّع، وكم من حقيقةٍ غابت خلف انفعالٍ عابر. إنّ الرصانة ليست صمتًا عن الخطأ، كما أنّ الجرأة ليست اندفاعًا في الحكم؛ وإنما الرصانة أن نُحسن الفهم قبل الردّ، وأن نطلب الدليل قبل التصديق، وأن نُفرّق بين نقد الفكرة والانتقاص من صاحبها.
إنّ معالجة نائبات الفكر لا تبدأ بإلقاء اللوم على المجتمع، ولا بتوزيع الاتهامات على أفراده، وإنما تبدأ بمراجعة الذات، وتصحيح المفاهيم، وإحياء قيمة السؤال، وترسيخ ثقافة الحوار المسؤول. فالأسرة التي تُنشئ أبناءها على التفكير لا على التلقين، والمدرسة التي تُنمّي ملكة التحليل لا مجرّد الحفظ، والمؤسسات الثقافية والإعلامية التي تُقدّم المعرفة على الإثارة، جميعها تسهم في بناء عقلٍ أكثر استقلالًا، ووعيٍ أكثر اتزانًا، ومجتمعٍ أقدر على مواجهة التضليل والانغلاق.
كما أنّ المسؤولية الفكرية لا تعني ادّعاء امتلاك الحقيقة كاملةً، بل تعني الاعتراف بحدود المعرفة، والإنصاف عند الاختلاف، والاستعداد لتصحيح الخطأ متى ظهر الدليل. فليس العيب أن يراجع الإنسان رأيه، وإنما العيب أن يتمسّك بخطئه بعد انكشافه؛ وليس النضج أن ينتصر المرء في كلّ جدال، بل أن يعرف متى يصغي، ومتى يناقش، ومتى يتراجع احترامًا للحقيقة.
إنّ المجتمعات لا تنهض بكثرة المتحدّثين، بل بعمق الواعين؛ ولا تُصان هويّتها بالتعصّب الأعمى، بل بالفهم الرشيد؛ ولا تتقدّم بتقديس المألوف أو رفض المختلف، بل بقدرتها على الموازنة بين الثوابت والمتغيّرات، وبين أصالة الجذور وضرورة التجديد. فالفكر السليم ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة اجتماعية، وليس شأنًا يخصّ النخب وحدها، بل مسؤولية يشترك فيها كلّ فردٍ يدرك أنّ الكلمة موقف، والرأي أمانة، والوعي أساس النهضة.
وخلاصة القول، إنّ نائبات الفكر تبدأ حين يغيب السؤال، وتشتدّ حين يُصادَر الاختلاف، وتستفحل حين يُقدَّم الوهم على الحقيقة، والهوى على الحكمة، والمظهر على الجوهر. ولا سبيل إلى مواجهتها إلا بعقلٍ يتفكّر، ووعيٍ يتمحّص، وضميرٍ ينصف، وإرادةٍ تؤمن بأنّ إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح ما يسكن العقول قبل ما يظهر في السلوك.
فحين يستقيم الفكر تستقيم الرؤية، وحين تستنير البصيرة تتّضح المسيرة، وحين تستعيد الكلمة مسؤوليتها يستعيد المجتمع قدرته على التمييز بين ما يبنيه وما يهدمه، وبين ما يسمو بإنسانه وما يحطّ من قدره. وتلك هي المعركة الحقيقية: ألّا نكتفي بتغيير مظاهر الحياة، بل أن نرتقي بطريقة التفكير، ونُهذّب أدوات الحكم، ونُعيد للعقل مكانته، وللحقيقة هيبتها، وللوعي دوره في صناعة الإنسان والمجتمع.
للتواصل : [email protected]



