أتعرف ما معنى الكلمة؟

✍️ريفال سعود آل طالع – طالبة جامعية :
دخول الجنة بكلمة، ودخول النار بكلمة، وقضاء الله -عز وجل- هو كلمة! الكلمة سلاح ذو حدين؛ إما أن تجرح أو تداوي، وترفع أو تسقط، وتبني أو تحطم. ذكر الله كلمة، والغيبة كلمة، ولكن شتان ما بينهما وما بين جزائهما!
ولقد شبّه الله -تعالى- الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ أصلها ثابت وفرعها في السماء، والكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة؛ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. إن أثر الكلمة على نفسك وعلاقاتك ومستقبلك إما أن يبنيها أو يهدمها؛ فالكلمة قادرة على تغيير مسار حياة الإنسان بالكامل، كما حدث مع «زادان»؛ الذي كان رجلاً يتمتع بصوت جميل جداً في الغناء، وفي إحدى الليالي مرّ به الصحابي عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وهو يغني لأصحابه، فقال: “ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله!” ثم مضى. فتساءل زادان: “من هذا؟ وماذا قال؟”، فأخبره أصحابه بما قال، فوقع أثر الكلمة في نفسه وساقه الله بها إلى الهداية؛ فقام وضرب بالآلة الأرض فكسرها، ثم ركض حافياً حتى أدرك ابن مسعود والدموع تنهمر من عينيه توبة وندماً! أصبح زادان بعد ذلك الأثر مفسراً ومحدثاً بارزاً، وكان يجلس في مجالس ابن عباس ليتعلم منه ويروي عنه الحديث والأحكام. تحول عظيم من «مغني الكوفة» إلى «عالم ومحدث الكوفة»!
ألا تجعلنا هذه القصة نتأمل أثر الكلمة ووقعها على نفوسنا وعلى الآخرين من حولنا؟ إن كلماتك قد تبني مستقبلاً أو تهدمه؛ فالكلمات التي نحدث بها أنفسنا مراراً وتكراراً تنتقل إلى الدماغ، فيبدأ ببرمجة مشاعرنا وأفكارنا بناءً عليها. فإذا تحدثنا بكلمات طيبة وإيجابية مع ذواتنا ربحنا مستقبلنا وثقتنا وتقديرنا لأنفسنا، والكلمة الخبيثة -على النقيض من ذلك- تهلك أرواحنا وأفكارنا؛ لذا يجب علينا أن نكون حذرين جداً عندما نخاطب أنفسنا.
الإنسان أثر، وخير الأثر هو الأثر الطيب. كلماتك قد تترك في نفس أحدهم حسرة وكسرة، وقد تبني في داخله ثقة وتقديراً؛ كما حدث مع «محمد القحطاني»، حين أثرت فيه كلمة من معلمه إذ قال له: “أنت فاشل!”. تلك الكلمة هزت ثقته بنفسه وتقديره لذاته، وسببت له تأخراً في النطق وتأتأة شديدة. ولكن، كيف استعاد ثقته وأصبح أحد المؤثرين الذين يتحدثون بطلاقة أمام حشود الجماهير وفي المؤتمرات الدولية بلغة غير لغته الأم؟ ما هذا السحر العجيب في هذا التحول الواضح؟ إنها الكلمة أيضاً! كلمة من أحد زملائه قال فيها: “أنت تقدر يا محمد”، كانت سبباً -بعد فضل الله وتوفيقه- في نجاحه وتميزه وحصوله على لقب بطل العالم في الخطابة! فالكلمة تملك القدرة على انتشال الشخص من الحضيض لتصنع نجاحه، أو تدميره بالكامل.
وبعد أن أدركنا أثر الكلمة الكبير ووقعها العميق على النفوس، أليس من الأجدر بنا أن ننتقي من الحديث أحسنه؟ وكما نختار مأكلنا ومشربنا وملبسنا من أطيبه، كذلك يجب أن نختار كلماتنا لتكون أرق الكلمات وأعذبها أثراً؛ ففمك إما أن يداوي روحاً مجروحة، أو ينفث سمّاً قاتلاً… فاختر كلماتك بعناية.
للتواصل : [email protected]



