الكتابة بين الشغف والواقع.. حين يصبح الحرف وطنًا

✍️ليلى علي عسيري – طالبة جامعية :
في عالمٍ يركض فيه الجميع نحو الوصول، ثمة أشخاص يتوقفون قليلًا ليكتبوا؛ لا لأنهم يملكون وقتًا فائضًا، بل لأن في داخلهم أشياء لا تستطيع الحياة أن تمضي دون أن تُقال، ومشاعر لا تجد طريقها إلى النجاة إلا عبر الكلمات.
الكتابة ليست مجرد ترتيبٍ للحروف، ولا مهارةً لغوية نكتسبها من كثرة القراءة، بل هي محاولة الإنسان لفهم نفسه والعالم من حوله. أحيانًا نكتب لأننا سعداء، وأحيانًا لأن الحزن يضيق بنا حتى لا نجد له متسعًا سوى الورق. وقد نكتب لأن فكرة صغيرة عبرت أذهاننا، ثم اكتشفنا أنها تحمل سؤالًا أكبر من أعمارنا وتجاربنا.
لكن ماذا يحدث حين يصطدم هذا الشغف بالواقع؟
حين تتحول الكتابة من مساحة حرة إلى سباق مع الوقت، ومن متعة شخصية إلى سؤال متكرر عن الجدوى والنتائج؟ حين يسأل الكاتب نفسه: هل سيقرأ أحد ما أكتب؟ وهل تستحق هذه الكلمات أن ترى النور؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فالشغف وحده قد يشعل البداية، لكنه لا يكفي دائمًا لصناعة الاستمرار. يحتاج الكاتب إلى الصبر، وإلى القراءة التي توسع أفقه، والمراجعة التي تهذب أفكاره، والشجاعة التي تجعله يعيد كتابة نصه مرة بعد أخرى. يحتاج أيضًا إلى أن يتصالح مع حقيقة أن بعض النصوص لن تجد قارئها سريعًا، وأن بعض الأفكار تحتاج إلى النضج قبل أن تصبح جديرة بالنشر.
وفي المقابل، لا ينبغي للواقع أن يسلب الكتابة روحها؛ ليس كل ما نكتبه مطالبًا بأن يتحول إلى مشروع ناجح أو إنجاز معلن، فبعض الكتابة نجاة، وبعضها اكتشاف، وبعضها حوار طويل مع الذات لا نحتاج فيه إلى تصفيق أحد.
إن التحدي الحقيقي ليس أن نختار بين الشغف والواقع، بل أن نتعلم كيف نحمل شغفنا بوعيٍ يكفي لحمايته من الانطفاء، وكيف نمنحه من الانضباط ما يجعله قادرًا على الاستمرار؛ أن نكتب بصدق، ونتعلم بإصرار، وننشر حين تصبح كلماتنا مستعدة للخروج من عزلتها إلى العالم.
ولعل أجمل ما في الكتابة أنها تمنحنا فرصة نادرة: أن نعيش التجربة مرتين؛ مرة حين تحدث، ومرة حين نعيد اكتشافها بالكلمات.
فلا تجعلوا الواقع سببًا لدفن أصواتكم، ولا تجعلوا الشغف عذرًا للتوقف عن التطور. اكتبوا لأن لديكم ما يستحق أن يُقال، وتعلموا لأن ما يستحق أن يُقال يستحق أيضًا أن يُقال بإتقان.
فربما تبدأ الحكاية بشخص يجلس وحيدًا أمام صفحة بيضاء، لكنها قد تنتهي بكلمة تصل إلى إنسان لم يلتقِ به يومًا، وتمنحه شعورًا بأنه ليس وحيدًا كما كان يظن.
وذلك، في رأيي، أحد أجمل أوجه الكتابة: أن تتحول المسافة بين قلبين إلى سطر، وأن يصبح الحرف جسرًا يعبر عليه الإنسان من عزلته إلى إنسان آخر.
للتواصل : [email protected]



