كتاب الرأي

الصبر والشكر.. تربية تُنير طريق أبنائنا في زمن سريع🌹

      ✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :

في زمن أصبحت فيه الحياة أكثر سرعة، وتزايدت فيه الضغوط وتعددت فيه المتطلبات، تبرز الحاجة إلى غرس قيم عظيمة في نفوس أبنائنا وبناتنا، وفي مقدمتها الصبر والشكر؛ فهما ليسا مجرد خُلُقين نتحلى بهما، بل منهج حياة يعين الإنسان على مواجهة تقلباتها بثبات ووعي وطمأنينة.

الصبر.. قوة وليست ضعفًا

الصبر هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، والثبات عند الشدائد، والقدرة على الاستمرار رغم الصعوبات.

وقد وصف النبي ﷺ الصبر بقوله: «والصبر ضياء» رواه مسلم، فهو نور يضيء للإنسان طريقه، ويعينه على تجاوز المحن دون أن يفقد اتزانه أو يندفع وراء اليأس والجزع.

ومن المعاني العظيمة في الصبر أن الإنسان قد يتألم ويشعر بالضيق، وهذا أمر بشري، لكن قيمة الصبر تظهر في كيفية تعامله مع ذلك الألم، وفي قدرته على ضبط أقواله وأفعاله والاحتساب عند الله.

وقال النبي ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» متفق عليه.

كما أن ما يصيب المسلم من مشقة وألم قد يكون سببًا في تكفير السيئات، فقد قال ﷺ: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها» متفق عليه.

الشكر.. اعتراف بالنعمة وحفظ لها

أما الشكر فهو الاعتراف بنعم الله، والثناء عليه، واستعمال النعمة فيما يرضيه.

والشكر لا يكون في أوقات الرخاء فقط، بل هو وعي دائم بقيمة ما نملكه من نعم قد نعتاد عليها حتى لا نشعر بعظمتها.

قال تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:

فالشكر يعلّم الإنسان أن يرى النعمة قبل أن يفتقدها، وأن ينظر إلى ما لديه بعين الامتنان بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصه.

الصبر والشكر.. وجهان لحياة متوازنة

يجتمع الصبر والشكر في حياة المؤمن؛ ففي السراء يكون الشكر، وفي الضراء يكون الصبر.

قال النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.

وهنا تظهر أهمية أن نعلّم أبناءنا أن الحياة ليست دائمًا كما نريد، وأن النجاح لا يعني غياب الصعوبات، وأن الإنسان القوي ليس من لا يتألم، بل من يتعلم كيف يتعامل مع الألم، وكيف يحافظ على أخلاقه واتزانه في مختلف الظروف.

الصبر الجميل.. ما نحتاج إلى تعليمه لأبنائنا

هناك فرق بين مجرد تحمّل الموقف، وبين الصبر الجميل الذي يجمع بين ضبط النفس وحسن الظن بالله والابتعاد عن الجزع والتسخط.

وفي التربية، لا يكفي أن نقول لأبنائنا: «اصبروا»، بل علينا أن نعلّمهم كيف يصبرون، وكيف يتعاملون مع الانتظار، والفشل، وتأخر النتائج، والاختلاف، والظروف التي لا يستطيعون تغييرها.

كما علينا أن نربيهم على الشكر، وألا تصبح النعم في أعينهم أمرًا مسلمًا به؛ فالشكر يصنع إنسانًا أكثر وعيًا بما لديه، وأكثر قدرة على تقدير الآخرين والحياة من حوله.

هل نستطيع أن نربي جيلًا أكثر صبرًا؟

في ظل حياة سريعة، ونتائج فورية، وتقنيات جعلت كثيرًا من الأمور متاحة بضغطة زر، أصبح تعليم الصبر مسؤولية تربوية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.

فهل نستطيع أن نعلّم أبناءنا وبناتنا الرقي في التعامل، والصبر عند الشدائد، والشكر عند النعم، في زمن أصبحت فيه الحياة سريعة، وأصبحت فيه الحاجة إلى الحكمة والاتزان أكبر من أي وقت مضى؟

ربما يكون تعليم الصبر والشكر لأبنائنا أحد أهم الاستثمارات التي نصنع بها إنسانًا متزنًا، يعرف قيمة النعمة، ويتعامل مع المحنة بحكمة، ويمضي في حياته بثبات وأمل.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى