كتاب الرأي

أبناؤنا ليسوا كما كنا.. فلا تربوهم كما رُبيتم:

    ✍️ أ – أحمد محمد كريري – كاتب سعودي :

طفلُ اليوم ليس كطفلِ الأمس، ومراهقُ اليوم ليس كمراهقِ الأمس، وحتى شبابُ اليوم وشيوخُه تغيّروا.

ليس لأنهم أسوأ منا، بل لأنهم وُلدوا في عصرٍ غير عصرنا. نحن كنا نستقي من نبعين: البيت والمدرسة، أما هم فتفتّحت أعينهم على ألف نبعٍ ونبع، في جهازٍ صغيرٍ يحمل الدنيا كلها في كفّه.

جيلُ اليوم جيلٌ ذكي، لمّاح، لا يقتنع بالأمر لأنه أمر، ولا يسكت لأنه خائف. هو جيلٌ يحمل طاقةً هائلةً لو وُجّهت، وقدرةً على الإبداع لو وَجَدت من يثُق بها، لكنه يحتاج إلى الإقناع لا الإجبار، وإلى الحوار لا الصراخ، وإلى الاحتواء لا الشكل، بل الحضور الحقيقي للأب والأم في تفاصيل يومه الصغيرة قبل الكبيرة.

وما هو هذا الحضور؟
إليك خارطة طريق بسيطة:

1. عشر دقائق بلا حُكم: كل يوم، اجلس معه عشر دقائق أنت مستمع فقط. لا تعظ، لا تصحح، لا تحاضر. اسأله: “ما أكثر شيء أضحكك اليوم؟ ما أكثر شيء أزعجك؟” دعه يتكلم بأمان.

2. ادخل عالمه قبل أن تدعوه لعالمك: اعرف لعبته المفضلة، احفظ اسم صديقه المقرب، شاهد معه مقطعاً يحبه. إذا احتويت اهتماماته، سيفتح لك قلبه.

3. كن صديقاً قبل أن تكون رقيباً: أبٌ ناضج يفهم لغة العصر، وأمٌ واعية تكون له سكناً وأماناً. أبٌ يوفّر الحاجة ويُشبع الرغبة باعتدال، ويُصغي أكثر مما يُلقي المحاضرات.

4. استبدل أدوات الهدم بأدوات البناء: إن العنف والضرب، والسخرية والاستهزاء، والشتيمة والمقارنة، والبعد والطرد.. ليست تربية، بل هي معاولُ هدمٍ تدفعهم دفعاً للهرب من البيت وتحاشي الجلوس مع الأهل.

وحين يهربون، سيجدون في الخارج من يفتح لهم ذراعيه. في عالم التواصل، هناك من يتقن فن الاحتواء المزيّف، من يُصغي لهم، ويُشبع فضولهم، ويستغل فراغهم وحاجاتهم، حتى يُحكم سيطرته عليهم، ويقودهم باحترافية إلى دروبٍ أولها فضولٌ وتسلية، وآخرها معضلة.

دروبٌ قد تنتهي بالإدمان، أو الانحراف، أو الانعزال والاكتئاب، وحينها لا تنفع دمعة، ولا تُجدي قُبلةٌ تُطبع على جبينٍ غاب وعيه، ويصبح من المستحيل إعادته كما كان.

أيها الآباء..
أبناؤكم ليسوا مشروعاً مؤجلاً حتى تكبروا، هم مشروعكم الآن. احتووهم قبل أن يحتويهم غيركم، واسمعوا منهم قبل أن يسمعوا من غيركم، وضُمّوهم إليكم، فالحضن في البيت هو الحصن الحصين.

تداركوا ما يمكن تداركه، قبل أن تقع الفأس في الرأس.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى