كتاب الرأي

{ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا }

“زاوية: جمعتنا آية”   

            ✍️ حسن المقصودي-كاتب رأي :

من عتبات القراءة السابقة، حيث تأملنا معاً التضرع الأول لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا}، نستذكر كيف رهن الخليل دعوته في جوف وادٍ غير ذي زرع. في ذلك المشهد التأسيسي، غاب التعريف وجاءت كلمة “بَلَداً” نكرةً؛ لتطابق تضاريس الواقع وتشاكل جغرافيا القفر واليباب. لم يكن هناك مجتمع مستقر ولا جدار قائم، بل كان الخليل يؤسس باليقين هُوية بقعة لم تولد بعد، ويستدعي من الغيب وطناً وحاضرة.

وثبة الوعي: من التأسيس إلى الاستدامةاليوم، ننتقل إلى الموضع الثاني في سورة إبراهيم (الآية 35)، لنقف أمام تجلٍّ بياني جديد؛ حيث يعيد السياق صياغة الدعوة نفسها ولكن بتعديل بنيوي حاسم: {الْبَلَدَ}.هذا التحول من التنكير إلى التعريف بـ (أل) ليس مجرد استعراض بلاغي، بل هو هندسة زمنية ترصد تحولات الجغرافيا ومآلات الاستجابة. هنا، ينقلنا النص من كفاح البدايات ومكابدة التأسيس، إلى استحقاق الاستدامة وحراسة المكتسبات.

ديناميكية الزمن وجغرافيا الاستجابة
بين الآيتين، جرت مياه كثيرة في نهر الزمن، ليرتفع الستار في آية اليوم عن مشهد مغاير تماماً؛ لقد أينعت النبوءة الأولى، وارتفعت القواعد، واستوطنت القبائل، وتحول الوادي المنسي إلى حاضرة قائمة ومركز ثقل مشهود.
تبعاً لذلك، تحوّلت لغة الخليل من طلب “الإيجاد” إلى طلب “الامتداد”؛ حيث أصبحت (أل) التعريفية بمثابة إعلان رسمي بميلاد الحاضرة، وتحول الدعاء من طلب بلدٍ يتشكل من العدم، إلى تحصين “البلد” القائم واستدامة استقراره.

فلسفة البناء والنتائج قيد التشكلي
منحنا هذا التباين اللفظي عمقاً فكرياً يكسر نمطية انتظار التحولات الخاطفة، ليعلمنا أن الدول المستقرة والمشاريع الكبرى لا تولد فجأة، بل تنمو ككائنات حية.
تبدأ النعم العظيمة دائماً كبذور فكرة غامضة (بَلَداً)، تحتاج إلى الصبر وبذل الأسباب، حتى إذا سقاها العمل واليقين، استوت على سوقها واقعاً ملموساً راسخاً (الْبَلَدَ). إنه درس بليغ في فقه التدرج، والثقة بالنتائج وهي قيد التشكل.

أمان الحاضر واستحقاق المستقبل
إن استقرار الأوطان ليس مصادفة جغرافية، بل هو تراكم مستمر من اليقين وبذل الأسباب وصناعة وعي الأمان. والحفاظ على المنجز القائم اليوم (الْبَلَدَ)، يتطلب ذات الروح والعزم والجهد الذي بُنيت به اللبنات الأولى حين كانت مجرد فكرة تطلب الوجود (بَلَداً)؛ ليبقى الاستقرار مظلة وارفة عابرة للأجيال، تضمن تدفق النماء واستدامة البناء.

خاتمة المقالبين التنكير والتعريف، نكتشف أن صناعة الاستقرار مسيرة وعي مستمرة، تبدأ برؤية مجردة وتنتهي بحقيقة تاريخية ثابتة. إن حراسة (الْبَلَدَ) اليوم هي امتداد ليقين الأمس، ورهان المستقبل الذي لا ينفك عن حفظ النعمة بالمسؤولية والشكر. فاللهم احفظ بلادنا، وأدِمْ أمنها، وضاعف نماءها.
إلى لقاءٍ متجدد في الأسبوع القادم، بإذن الله، مع آيةٍ جديدة تجمعنا في مساحات الوعي والتدبر.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى