كتاب الرأي

حصاد السنين: بين طيب العمل ووفاء الأحياء للأموات

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :

رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أنفاس معدودة، وأيام تمضي ولا تعود. وفي هذا السفر القصير تتفاوت حياة الناس، فمنهم من تمر به السنوات دون أن تترك وراءه إلا ذكريات عابرة، ومنهم من يغادر الدنيا ويبقى أثره حاضرا في حياة من عرفوه، ينتفعون بما قدم، ويذكرونه بما صنع، ويدعون له كلما حضر اسمه أو تذكرت مواقفه. ومن هنا لا تقاس قيمة العمر بعدد سنواته، وإنما بما امتلأت به من عمل صالح، ونفع للناس، وحسن أثر.

العمر فرصة وهبها الله للإنسان، ووعاء يستطيع أن يملأه بالطاعة والإحسان والعمل النافع. وقد جاء في الحديث، «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». فطول العمر لا تكون قيمته في امتداد السنين فحسب، وإنما فيما يتيحه للإنسان من فرص متجددة للخير والإصلاح ونفع الآخرين. وطيب العمل لا يقتصر على العبادة، بل يشمل العلم النافع، والكلمة الطيبة، ومساعدة المحتاج، وإصلاح ذات البين، وحسن التعامل، وتربية الأولاد على الخير.

وحين يأتي الأجل ينقطع عمل الإنسان، لكن رحمة الله جعلت لبعض الأعمال امتدادا بعد الموت. قال النبي صلى الله عليه وسلم، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ومن هنا تصبح تربية الأولاد من أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله، لأن أثر التربية يستمر في سلوكهم ودعائهم وبرهم وصلتهم بأرحامهم، فيكون ما زرعه الوالدان في حياتهما ممتدا بعد موتهما

وعلى الوالدين معرفة أن حسن التربية لا يكون بتوفير الطعام واللباس والتعليم وحدها، وإنما ببناء الإنسان من داخله، وتعليمه كيف يميز بين الحق والباطل، وبين الرغبة والواجب، وبين الحرية والمسؤولية. والتربية الصالحة تغرس مراقبة الله، وحسن الخلق، وبر الوالدين، وصلة الرحم، واحترام الأنظمة والحقوق، وحفظ اللسان، وضبط الغضب. فالأم مدرسة في السلوك والمشاعر والرحمة، والأب شريك في التوجيه والمسؤولية، وكلاهما يترك في شخصية الأولاد أثرا لا تصنعه الكلمات وحدها.

ومن حسن الاتباع، وطيب الإرشاد، وجمال البر التربوي، أن يتحول ما تعلمه الإنسان في بيته إلى سلوك منضبط في حياته، فيحفظ النظام، ويؤدي الحقوق، ويحترم الناس، ويجعل حق الوطن مقدما في مواضعه، فلا يضر بالمصلحة العامة من أجل مصلحة خاصة، ولا يتجاوز نظاما من أجل منفعة عابرة. فالتربية الصالحة لا تخرج إنسانا صالحا في عبادته فحسب، بل تصنع إنسانا أمينا في عمله، وفيا بحقوق الآخرين، مسؤولا عن أثر سلوكه، مرتبطا بهدي الله.

وحسن الاتباع لا يعني تقليد الوالدين في كل شيء، وإنما يعني اتباع الحق والالتزام بما ثبت من الشرع، والتعامل مع الأحكام بأمانة وتجرد. فلا يصح أن يصبح الدين مجالا للبحث عن المخارج التي توافق الهوى، أو أن تتحول الرخص الشرعية إلى أبواب مفتوحة لكل رغبة دون معرفة دليلها وشروطها. فالخطأ من طبيعة البشر، لكن المشكلة حين يتحول إلى سلوك مستمر، ثم إلى مجاهرة وتبرير. والتربية الصالحة تعلم الإنسان أن يرجع إذا أخطأ، وأن يستغفر إذا أذنب، وأن يصحح سلوكه، وأن يرتبط بالهدي الرباني على علم وبصيرة.

ومن المهم أن يتعلم الأولاد كثرة الدعاء بالصلاح، وأن يجعل الدعاء عادة في البيت، فيسأل الوالدان الله صلاح أولادهما، ويسأل الأولاد الله صلاح أنفسهم ووالديهم، وأن يؤلف بينهم ويحفظ المودة. كما أن حسن التدبر في العلاقات الأسرية جزء من حسن التربية، فليس كل اختلاف يحتاج إلى خصومة، ولا كل موقف يستحق أن تهدم من أجله علاقة عمرها سنوات. ومن الحكمة أن نئد الخصومات في بدايتها، وأن نؤطر النفوس على الخير والعفو وحسن الظن وضبط الغضب.

ومن الابتلاءات التي قد تعرض للإنسان في مسيرة الحياة ما ينشأ بعد رحيل الوالدين من خلاف بين الورثة والعصبة حول حق دنيوي خاص، ولا سيما إذا امتدت مسيرة حياة الوارثين، وتداخلت مصالحهم، وتفاوتت أحوالهم. وطبيعة البشر تميل إلى حب التملك والحرص على الزيادة، ولذلك قد يصبح المال موضع اختبار للنفس. وقد صور القرآن هذا المعنى في قصة الخصمين، قال تعالى، «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب»، ثم قال، «وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم». والآية في سياقها قصة مخصوصة، وفيها تذكير بخطر البغي حين تتداخل الحقوق والمصالح، وأن الإيمان والعمل الصالح هما الضابطان.

والميراث حق شرعي يجب أن يأخذه صاحبه، وحفظ الحقوق واجب، لكن المطالبة بالحق لا تعني الظلم ولا تبرر القطيعة. فالمال يقسم، والعقار يوزع، والحقوق تحفظ، أما جرح الأخوة فقد يبقى سنوات. وقد يتحول الخلاف إلى قطيعة رحم تربوية، يتعلم فيها الصغير من الكبير أن المال أقوى من الرحم، وأن الخصومة تبرر الهجر، فينتقل أثر الخلاف من جيل إلى جيل. وهنا يظهر معدن التربية، فالبر الحقيقي لا يحفظ حقوق الوالدين في حياتهما فقط، بل يحفظ ما زرعاه بين أولادهما من محبة ورحمة بعد رحيلهما.

وهنا يتجلى الفرق بين باب البر في الحياة وباب العزاء في الممات. فما قيمة قبلة على جبين ميت لا ترد حقا فات، ولا تزرع برا لم يزرع في حياته؟ وما قيمة الدموع إذا كانت الخصومة قد سبقت الرحيل؟ وحتى الاجتماع على موائد الطعام في أيام العزاء، مهما كان من صور المواساة، لا يطفئ لهيب الندم على بر كان يمكن أن يقدم، أو كلمة طيبة كان يمكن أن تقال، أو رحم كان يمكن أن توصل. باب البر مفتوح ما دام الإنسان حيا، فإذا أغلق الموت بابه، بقي الدعاء والوفاء، أما ما فات من البر فلا يعيده الحزن ولا يعوضه الندم.

والبر بعد رحيل الوالدين لا ينتهي، وإنما ينتقل من بر مباشر إلى بر الأثر، بالدعاء لهما، والصدقة عنهما، وقضاء ديونهما، وتنفيذ وصيتهما المشروعة، وصلة أرحامهما، وإكرام من كانا يحبانه من أهل الخير، والأهم أن يحفظ الأولاد ما جمعهم بهما من قيم ومحبة، وألا يجعلوا رحيلهما بداية لخصومة أو قطيعة.

الحياة تمضي بالجميع، وما بين الميلاد والرحيل مساحة قصيرة، لكنها كافية لأن يصنع الإنسان فيها أثرا عظيما. وما أجمل أن يكون حصاد السنين سيرة طيبة، وعملا صالحا، وقلوبا تدعو لصاحبها، وأولادا صالحين يحفظون عهدهما ويصلون رحمهما، ويترجمون حسن تربيتهما إلى صلاح في حياتهم، ووفاء بحقوق الناس، واحترام لأنظمة وطنهم، وارتباط بهدي الله. فلنحسن التربية قبل أن يأتي وقت لا تنفع فيه التربية، ولنؤد البر في وقته، ولنئد الخصومات في مهدها، ولنكثر من الدعاء لأنفسنا ولأولادنا بالصلاح، حتى إذا رحلنا بقي لنا في الدنيا أثر طيب، وبقي لنا عند الله ما نرجو أن يكون خيرا باقيا. ومن افضل البر والوفاء وأعظمه وفاء الأحياء للأموات فهو وفاء طاهر بلا مصالح لا يسمعه الا الله، فمن الوفاء بهم والبر بهم ان نذكرهم ولو بدعوة

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى