كتاب الرأي

أمي.. الجمال الذي لا يشيخ

       ✍️ طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :

هناك أشخاص يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادروننا. يرحلون بأجسادهم، بينما تبقى أصواتهم وملامحهم ودفء حضورهم مقيمًا في تفاصيلنا. والأم واحدة من أولئك الذين لا يستطيع الغياب أن يمحو أثرهم، لأنها لا تسكن مكانًا في الذاكرة فحسب، بل تسكن أعمق مواضع القلب.

أمي كانت بالنسبة لي أكثر من أم، كانت وطنًا صغيرًا أعود إليه كلما أتعبتني الحياة، وأمانًا لا يحتاج إلى تفسير، وطمأنينة تختصر كثيرًا من الكلام. وبعد رحيلها، أدركت أن بعض النعم لا نعرف حجمها الحقيقي إلا حين تصبح ذكرى.

أمي.. الجمال الذي لا يشيخ…
كل شيء في الحياة يخضع للزمن، الوجوه تتغير، والأماكن تتبدل، والسنوات تمضي، وحتى الذكريات قد تخفت تفاصيلها مع مرور الوقت. إلا صورة الأم في القلب، تبقى خارج حسابات الزمن. تظل ملامحها كما أحببناها، وابتسامتها كما عرفناها، وصوتها حاضرًا في أعماقنا مهما امتد الغياب.

ما زلت أراكِ كما كنتِ، في وجهك الطيبة، وفي عينيك اللتين كانتا تقولان الكثير دون كلمات، وفي يديك اللتين اعتادتا العطاء دون انتظار، وفي قلبك الذي اتسع للجميع رغم ما كان يثقل عليك من تعب.

بعد رحيلك، تغير معنى التفاصيل الصغيرة. مكان جلوسك لم يعد مجرد مكان، وطريقة حديثك لم تعد مجرد عادة، ونبرة صوتك لم تعد تفصيلًا عابرًا. كل ما كنت أراه عاديًا أصبح جزءًا ثمينًا من ذاكرة لا أريد لها أن تنطفئ.

كنت أظن أن وجودك أمر طبيعي، وأن الأيام ستمنحني دائمًا فرصة أخرى لأقول لك ما لم أقله، ولأجلس بقربك، ولأستمع إلى حديثك. ثم جاء الفقد ليعلمني أن بعض اللحظات لا تتكرر، وأن أعظم ما نملكه أحيانًا هو ما اعتدنا وجوده حتى ظنناه باقيا إلى الأبد.

ومنذ رحيلك، تعلمت أن الفقد لا يعني انتهاء حضور من نحب، بل تغير صورته. لم تعد يداك حولي، لكن دعواتك التي رافقتني ما زالت تسكنني. لم يعد صوتك يصل إلى أذني، لكن كلماتك ما زالت تتردد في داخلي. ولم تعد عيناك تلتقيان بعيني، لكنني أراك في كثير من الأشياء الجميلة التي تركتها في شخصيتي وحياتي.

أراك في أخلاقي التي تعلمتها منك، وفي القوة التي منحتني إياها سنوات وجودك، وفي الرحمة التي أحاول أن أزرعها فيمن حولي، وفي المواقف التي أتساءل فيها: ماذا كانت أمي ستفعل لو كانت هنا؟

ربما لهذا لا ترحل الأم تمامًا، يظل شيء منها في أبنائها. في طباعهم، وفي كلماتهم، وفي طريقة تعاملهم مع الحياة، وفي دعواتهم التي لا تنقطع. تترك فيهم شيئًا من روحها، فيصبح حضورها ممتدًا حتى بعد أن يغيب جسدها.

أشتاق إليك، لا في الأيام الصعبة وحدها، بل في الأيام العادية أيضًا. أشتاق إليك حين يحدث أمر جميل وأفكر في الشخص الذي كنت أريد أن أخبره أولًا. أشتاق إليك حين يثقل القلب، فأفتقد ذلك الحضن الذي كان قادرًا على أن يجعل الحياة أكثر احتمالًا.

أشتاق إليك حين تمطر السماء، وفي المناسبات، وعندما يجتمع الأهل، وحين تمر أمامي امرأة تشبهك في مشيتها أو ملامحها. وأشتاق إليك أكثر حين أرى أمًا تحتضن ابنتها، فأدرك أن هناك مشاهد بسيطة تستطيع أن تفتح في القلب أبوابًا كاملة من الحنين.

وكلما حضرت وفاة امرأة من نساء الحارة، تتجدد في داخلي ذكرى رحيلك. مشاهد الوداع، والوجوه المثقلة بالحزن، ودعوات الرحمة، تعيدني إلى ذلك اليوم الذي غادرتِ فيه. وكأن القلب، مهما مرت السنوات، يحتفظ ببعض اللحظات كما هي، لا يستطيع الزمن أن يطويها.

ومع ذلك، لا أريد لذكراك أن تكون بابًا للحزن وحده. أريدها أن تكون نورًا يمتد من حياتك إلى حياتي، دعاءً لا ينقطع، وصدقةً أهدي ثوابها إليك، وعملًا طيبًا أرجو أن يكون لك منه نصيب، وسيرة جميلة أحرص أن تبقى حاضرة في أبنائك ومن عرفوك.

لقد فهمت بعد رحيلك أن الوفاء للأم لا يكون بالبكاء عليها فقط، وإنما بأن نحمل شيئًا من قيمها في حياتنا، وأن نستمر في فعل الخير الذي كانت تحبه، وأن نجعل من ذكراها دافعًا لأن نكون أفضل.

أمي…
لو كان بين عالمينا مجال لرسالة، لقلت لك: ما زلت أحتاجك، وإن كبرت. وما زلت أفتقد دعواتك، وإن تعلمت أن أدعو لنفسي. وما زلت أتمنى أن أسمع صوتك مرة أخرى، ولو للحظات. وما زلت، حين تضيق بي الدنيا، أشتاق إلى ذلك الشعور الذي كان يمنحني إياه وجودك، شعور أنني لست وحدي.

لذلك أختار أن أحتفظ بك في أجمل موضع من قلبي، لا كحكاية انتهت، بل كسيرة جميلة ما زالت آثارها حاضرة. أحتفظ بك كما كنتِ، وجهًا مطمئنًا، وقلبًا رحيمًا، وروحًا كريمة، وذاكرة لا يطالها الزمن.

في النهاية ..
ستبقين الجمال الذي لا يشيخ، والحنان الذي لا ينتهي، والأثر الذي لا يغيب.
رحمك الله يا أمي رحمة واسعة، وغفر لك، وأنار قبرك، وآنس وحشتك، وجعل مقامك في جنات النعيم، وجمعني بك في لقاء لا فراق بعده، حيث لا دموع ولا وداع، وحيث يطمئن القلب أخيرًا إلى أن الذين أحببناهم لم يكونوا غائبين إلا عن أعيننا، وأن رحمة الله أوسع من كل فراق.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى