حين يصبح الشك أرحم من اليقين* *قراءة في أبيات بدر بن عبدالمحسن

✍️خلف سرحان القرشي- كاتب ومؤلف سعودي :
_______
ثمة حقائق لا نجهلها تماما، لكننا نؤجل الاعتراف بها.
نراها في التفاصيل الصغيرة؛ في تغير النبرة، وفي فتور السؤال، وفي المسافة التي تكبر فجأة بين قلبين كانا يعرفان الطريق إلى بعضهما دون دليل. ومع ذلك نظل نبحث عن منطقة وسطى، لا لأننا عاجزون عن الوصول إلى الحقيقة، بل لأن الحقيقة أحيانا تكون أثقل من احتمالها.
من هذه المنطقة المعلقة بين المعرفة والإنكار تأتي أبيات بدر بن عبدالمحسن:
«كانها الفرقا.. طلبتك حاجتين
لا تعلمني.. ولا تكذب علي»
منذ المطلع يضعنا بدر أمام مأزق إنساني بالغ القسوة: رجل يستشعر الفراق قبل أن يسمعه، ويرى ظله قبل أن تقع عليه الكلمة الأخيرة.
ولذلك لا يقول: أخبرني بالحقيقة.
ولا يقول: قل لي ما يطمئنني، ولو كان كذبا.
بل يطلب أمرين يبدوان متناقضين، وهما في الحقيقة يلخصان محنته كلها:
لا تعلمني…
أي: لا تقتلني بالخبر.
ولا تكذب علي…
أي: لا تجعلني أعيش في وهم.
هو لا يحتمل الحقيقة إذا قيلت، لكنه يحترم قلبه أكثر من أن يقبل كذبة تطمئنه.
وهنا تحديدا تكمن روعة البيت.
فالإنسان يستطيع أحيانا أن يعيش مع شك يؤلمه، لكنه لا يستطيع أن يعيش مع يقين يهدمه. وفي الوقت نفسه لا يريد أن يكتشف، بعد حين، أنه كان يتكئ على وهم صنعه له من يحب.
فماذا بقي له؟
بقي الصمت.
«خلني ما بين شكي واليقين
السكوت رضاي عنك.. وازعلي»
وهكذا لا يعود الشك في هذه الأبيات نقصا في المعرفة، بل يصبح مهلة للقلب.
والأجمل أن بدر لا يقول إن السكوت يرضيه فقط، بل يجمع فيه الرضا والزعل معا.
«السكوت رضاي عنك.. وازعلي»
كيف يمكن للشيء نفسه أن يكون موضع رضا وموضع زعل؟
لأن الصمت أنقذه من أمرين: لم يسمع الحقيقة التي يخشاها، ولم يسمع الكذبة التي يرفضها.
رضاه أنك لم تكذب عليه.
وزعله أنك لم تطمئنه.
رضاه أنك احترمت قلبه فلم تخدعه، وزعله لأن صمتك نفسه يكاد يقول الحقيقة التي طلب منك ألا تقولها.
وهذه، في ظني، واحدة من أجمل مناطق النص: أن يصبح الصمت جوابا، مع أنه لم يقل شيئا.
ثم يأتي الزمن ليفعل ما رفض الحبيب أن يفعله:
«باكر اللي خافي لازم يبين
الوعد بلقى مكانك به خلي»
باكر.
كلمة واحدة تنهي الهدنة كلها.
فالمتكلم يعرف أن المنطقة التي اختار الاحتماء بها بين الشك واليقين ليست مكانا للإقامة. إنها مهلة قصيرة فحسب. ما خفي اليوم سيظهر غدا، وما لم تقله الكلمات سيقوله الغياب.
وكأن الزمن أكثر جرأة منا.
نحن نستطيع أن نخفي، ونراوغ، ونؤجل، ونصمت، لكن الزمن لا يجيد المجاملة.
والمؤلم أن الحقيقة هنا لن تأتي في صورة اعتراف، وإنما في صورة مكان خال:
«الوعد بلقى مكانك به خلي»
وهذه صورة بسيطة، لكنها موجعة.
فثمة غياب نعرفه من الكلام، وغياب لا نحتاج معه إلى أحد يخبرنا بشيء. نذهب إلى الموعد، فلا نجد من اعتدنا أن نجده.
عندها يصبح المكان هو الذي يقول الحقيقة.
الأماكن لا تتغير كثيرا بعد الفراق.
نحن الذين نتغير داخلها.
الكرسي هو الكرسي، والطريق هو الطريق، والمقهى هو المقهى، والموعد ربما يكون في ساعته نفسها…
لكن أحدا لم يعد هناك.
ثم تأتي المهلة الأخيرة:
«وانتظر لي ليلةٍ أو ليلتين
لين ما يقفي السحاب وينجلي»
لم يقل: حتى أنساك.
ولم يقل: حتى أشفى.
ولم يقل: حتى أتجاوزك.
قال فقط: انتظر.
ليلة أو ليلتين.
وهذه الليلة أو الليلتان ليستا زمنا بالمعنى الحرفي بقدر ما هما مهلة نفسية. كأن الإنسان يقول للحزن: أعطني قليلا من الوقت كي أستطيع الوقوف.
أما السحاب، فليس مجرد صورة شعرية جميلة.
إنه الحالة كلها.
الشك، والحزن، والخبر المؤجل، والقلب الذي لا يعرف هل يتمسك أم يترك.
واللافت أنه لا يطلب اختفاء السحاب بمعجزة. ينتظر فقط أن «يقفي» وينجلي.
وفي الفعل «يقفي» شيء من حركة الحياة نفسها؛ فالسحاب مهما أثقل السماء لا يقيم فيها إلى الأبد. يعبر. وكذلك لحظاتنا القاسية، حتى تلك التي نظن ونحن داخلها أنها لن تنتهي.
ثم يصل بدر إلى البيت الأخير:
«ولا طويت الياس بذرف دمعتين
للهوى الغالي وابوادع هلي»
هنا يحدث التحول.
ولعل أول ما يستوقفنا هو الفعل: «طويت».
لم يقل: إذا يئست، ولا: إذا تمكن مني اليأس، ولا حتى: إذا انتهى الأمل.
قال: «طويت الياس».
وفجأة يتحول اليأس، وهو معنى نفسي مجرد، إلى شيء يكاد يكون ماديا؛ شيء كان ممدودا أمامه أو حوله، ثم مد يده إليه فطواه.
وقد تستدعي الصورة فراشا يطوى، أو لحافا، أو خيمة تفك بعد انتهاء الإقامة، وربما شراعا يطوى حين تنتهي الرحلة. وليس ضروريا أن نختار واحدا منها؛ فجمال الفعل أنه يتركها جميعا ممكنة، ويمنح اليأس جسدا بعد أن كان إحساسا.
والأجمل أن الطي ليس تمزيقا ولا إحراقا.
نحن نطوي الشيء حين نفرغ منه.
نطوي فراشا لأننا لن ننام هنا، ونطوي خيمة لأن وقت الرحيل حان، ونطوي صفحة لأن ما فيها أصبح وراءنا.
وهنا يصبح الفعل نفسه تمهيدا خفيا لما سيأتي بعده:
«وابوادع هلي».
فالرحيل بدأ، في الحقيقة، قبل أن ينطق به.
بدأ لحظة طوى اليأس.
وكأن اليأس كان آخر ما يبقيه في المكان؛ حتى اليأس نفسه كان شكلا من أشكال الانتظار. فما دمت تيأس من شيء، فأنت لا تزال واقفا أمام بابه. أما حين تطوي يأسك أيضا، فقد انتهى كل شيء، ولم يعد أمامك إلا أن تمضي.
لكن قبل أن يمضي، ثمة حق أخير للحكاية:
«بذرف دمعتين
للهوى الغالي»
دمعتان فقط.
لا انهيار، ولا عويل، ولا استعراض للحزن.
كأنهما آخر ما سيتركه في المكان قبل أن يغادره؛ دمعتان لذلك الهوى الذي انتهى، لكنه لم يفقد قيمته لمجرد أنه انتهى.
وفي هذا شيء من كرامة الحزن التي يعرفها بدر جيدا؛ فليس كل وجع صراخا، وليس كل انكسار سقوطا. أحيانا تختصر دمعتان حكاية كاملة.
و«الهوى الغالي» هنا مهم أيضا؛ لأنه لا ينتقم من الماضي.
لم يتحول الحب، لمجرد أنه انتهى، إلى خطأ. ولم يصبح ما كان جميلا كذبة لأن نهايته كانت موجعة.
وهذه، في ظني، من أنضج المعاني المضمرة في الأبيات: قد نغادر شيئا ونحن لا نزال نعترف بقيمته.
وقد نفقد إنسانا دون أن نضطر إلى تشويه الأيام التي عشناها معه كي نستطيع الرحيل.
أما «وابوادع هلي» فتفتح بابا آخر للتأويل.
فقد لا يكون الوداع هنا امتدادا مجازيا لوداع المحبوب، بل ربما كان وداعا حقيقيا للمكان كله. كأن المتكلم، إذا انكشف ما كان خافيا، وتأكد أن الفراق وقع، لا يرى أمامه إلا الرحيل عن الديار التي يقيم فيها الحبيب.
وهنا نفهم لماذا طلب «ليلة أو ليلتين».
إنها ليست مهلة للبكاء وحده، بل ربما كانت مهلة قبل اتخاذ القرار الأخير: أن ينتظر حتى «يقفي السحاب وينجلي»، وحتى يرى الحقيقة بلا غبش، ثم إذا طوى اليأس ولم يعد ثمة ما ينتظره، ذرف دمعتين لذلك الهوى الغالي، وودع أهله ورحل.
ولعل في المشهد صدى بعيدا لذلك البكاء القديم على الأطلال في الشعر العربي.
كان الشاعر الجاهلي يقف على الديار بعد أن رحل أهلها، فيستوقف صاحبيه، ويتأمل آثار من أحب، ويبكي زمنا مضى. من امرئ القيس وهو يقول: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، إلى عشرات القصائد التي صار فيها المكان الخالي شاهدا على حب كان هنا ثم مضى.
لكن بدر يقلب المشهد بطريقة لافتة.
إنه لا يقف على الطلل بعد أن أصبح طللا؛ إنه يكاد يبكيه قبل أن يتكوّن.
يعرف أن «الوعد» سيجد مكان الحبيب خاليا، ويعرف أن الرحيل آت، فيبدأ وداع المكان قبل مغادرته. كأن الطلل هنا لم يعد حجرا خاليا وديارا درست آثارها، بل صار لحظة يعرف الإنسان، وهو ما يزال داخلها، أنها بعد قليل ستصبح ذكرى.
إنه، بهذا المعنى، بكاء مبكر على الأطلال.
ولعل «دمعتين» هما وقفته الطللية الخاصة؛ قصيرة، مقتصدة، لا تستبقيه طويلا. فالجاهلي يقف ليستعيد ما مضى، أما هذا العاشق فيقف قليلا كي يستطيع أن يمضي.
وكأن البقاء بعد الفراق هو العذاب الآخر الذي يريد أن يتجنبه.
فالمكان سيظل مليئا بما كان: طريق مر منه، وموعد انتظره، ومقهى عرفه، وتفاصيل صغيرة قادرة على استدعاء الحكاية كلما حاول نسيانها.
لذلك لا يودع حبيبه وحده.
إنه يودع المكان أيضا.
ويرحل، ربما، لأن بعض الذكريات لا يكفي أن نغلق بابها؛ نحتاج أحيانا إلى أن نبتعد عن الطريق المؤدي إليها.
ولهذا تبدو الأبيات في ظاهرها أبيات فراق، لكنها في عمقها أبعد من ذلك.
إنها أبيات عن اللحظة التي تسبق اليقين بالفراق.
عن تلك المسافة الضيقة بين أن نشعر بأن شيئا انتهى، وأن نعرف أنه انتهى.
عن إنسان لا يريد أن يُخدع، لكنه لا يحتمل أن يسمع الحقيقة.
فيقول لمن يحب:
لا تقتلني بالخبر.
ولا تجعلني أعيش في وهم.
واترك لي هذه المسافة الصغيرة بينهما.
دعني في شكي قليلا.
فالشك، على قسوته، ما زال يحمل احتمالين، أما اليقين فلا يترك إلا واحدا.
ولعل أجمل ما فعله بدر بن عبدالمحسن هنا أنه لم يجعل المتكلم ضعيفا، ولم يجعله متماسكا بذلك التماسك البطولي الزائف. تركه إنسانا كما يكون الإنسان حقا عند الفقد: يعرف وينكر، يغضب ويرضى، ينتظر ويتهيأ للرحيل، ويتمسك بطرف الحكاية فيما يده الأخرى تستعد لإفلاته.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي تتركه هذه الأبيات فينا:
هل حدث الفراق؟
فمنذ البيت الأول نعرف أنه حضر، أو يكاد.
السؤال الأعمق هو:
لماذا نطلب أحيانا ممن نحب ألا يقول الحقيقة التي عرفناها بالفعل؟
ربما لأن القلب لا يحتاج دائما إلى مزيد من المعرفة.
أحيانا يحتاج فقط إلى قليل من الوقت…
ليلة أو ليلتين…
حتى يقفي السحاب وينجلي.
__________



