عندما تضيع الأنوثة في زحام “العناد”.. عبارة: (أحس إني عايش مع رجال)

✍️عائشه السبيعي -كاتبة سعودية :
تتردد في كواليس الحياة الزوجية عبارات ثقيلة الميزان، حادة الأثر، مثل: “أنا أحس إني عايش مع خويي بالبيت” أو “طريقة تعاملك كأنك زميل عمل”.
ورغم ما تحمله هذه الكلمات من صدمة ناعمة للزوجة، إلا أنها في جوهرها لا تُعبر عن تقليل من جمالها أو مظهرها الخارجي، بقدر ما هي صرخة استغاثة نفسية يُطلقها الرجل عندما يفتقد الأنوثة بمفهومها الفطري الشامل.
ومن واقع التجارب والحكايات الواقعية، نكتشف أن هذه الأزمة لا تولد من فراغ، بل هي نتاج تراكمات وأخطاء غير مقصودة في فهم أدوار الحياة الزوجية.
1. القطبية الزوجية: التجاذب بين الذكورة والأنوثة
تُبنى العلاقة الزوجية المستقرة على قاعدة “القطبية” الفطرية؛ فالرجل يبحث في بيته عن المساحة التي يُعبر فيها عن فطرة القيادة، الحماية، والدعم، بينما تحتاج الأنثى إلى السكن، والاحتواء، والأمان.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
وحين تتبنى الزوجة سلوكيات تقوم على “طاقة ذكورية عالية” — كالعناد، والتوجيه الصارم، وإلغاء رأي الزوج في أدق التفاصيل (كأسلوب القيادة أو إدارة القرارات) — يتحول البيت من مأوى للسكينة إلى ساحة لإثبات الوجود.
يجد الزوج نفسه أمام “ندّ حقيقي” ينافسه على مقود القيادة، فينسحب عاطفياً، وتتحول مشاعره تلقائياً من الشغف إلى التعامل الحيادي كما يتعامل مع أصدقائه.
1. القرينة الأولى: “ارتفاع الصوت والصراخ”
أول قرينة تتهاوى عندها الأنوثة هي لحظة الشد في الكلام وارتفاع الأصوات. حين يحل الصراخ محل التفاهم، تخرج المرأة فوراً من مساحتها الفطرية لتنزل إلى مساحة “المواجهة والندّية”.
الصوت العالي والأسلوب الصارم (“اسكت خليني أخلص كلامي”) يقتلان الأنوثة في عين الرجل، والأشد خطورة هو الانزلاق إلى عقلية “واحدة بواحدة” والملاكمة اللفظية؛ فعندما تُقابل الإهانة بالإهانة والتحدي بالتحدي، تتخلى المرأة عن سلاحها الأنثوي الحقيقي (الكرامة والعقلانية) وتنزل لساحة التحدي الذكوري، وهنا طبيعي جداً أن يراها الزوج “رجلاً مثله” ويختفي الانجذاب تماماً.
1. إنصاف لا بد منه: ردة الفعل الدفاعية
لكي نكون منصفين، ليست كل زوجة تتصرف بهذه الندّية عن طبيعة في شخصيتها؛ فهناك نساء فاضلات يمتلكن الألفة واللين والمودة الفطرية.
لكن في بعض الحالات، تبدأ الزوجة حياتها بكامل اللين والمبادرات الأنثوية (كالتأنق والاهتمام)، فتواجه جداراً من التجاهل أو البرود من الزوج، أو تُجبر على تحمل كل المسؤوليات اللوجستية بمفردها.
هنا، تلجأ بعض النساء إلى “حيلة دفاعية”؛
فتتخلى عن اللين وترتدي درع القسوة والعناد لحماية كرامتها حتى لا تشعر بالضعف.
وحينها يشتكي الزوج من غياب الأنثى، وهو في الحقيقة من أطفأ جذوتها بإهماله الأول.
كما أن استغناء الزوجة الكامل وإعفاء الزوج من أدوار الرعاية والتواجد يُضمر عنده عاطفة الأبوة والرعاية؛ فالرجل يعشق ما يستثمر فيه جهده وتصبه، وحين لا تشعره المرأة باحتياجها له كـ “بطل ومُنقذ”، يتنصل من مسؤولياته العاطفية والميدانية.
رسالة توجيهية للزوجين
أولاً: إلى الزوجة
يا عزيزتي.. البيت الزوجي ليس ميداناً لتثبيت الكفاءة، ولا ساحة لاستعراض النفوذ، ولا مسابقة في “من صاحب القرار الأسرع”.
صوتكِ الهادئ هو قوتكِ الحقيقية: خفض الصوت والتغافل الفطن ليس تنازلاً ولا ضعفاً، بل هو ذكاء أنثوي فاخر يستثير في الرجل رغبته في حمايتكِ وإرضائكِ.
دربيه على رعايتكِ: لا تلعبي دور “المرأة الخارقة” التي تستغني عن وجوده وتسحب منه كل الأدوار. اتركيه يتحمل مسؤولياته، وأشعريه دائماً بأنكِ تحت أمانه وحمايته؛ فالرجل إذا لم تحتاجه زوجته عاطفياً وميدانياً انسحب.
تخلي عن درع العناد: العناد لا يكسب معركة بل يخسر بيتاً. النفس تسكن إلى اللطيف وتنفر من الغليظ، وكما قال العلماء: “المرأة لا تملك قلب الرجل بقوتها، بل تسره بأنوثتها وتحتويه بلينها”.
ثانياً: إلى الزوج
لا تكن سبباً في استثارة الخشونة: احتواء المرأة يحتاج حكمة وقوامة؛ فالرجل الذي يُقابل أخطاء زوجته أو اهتمامها الأول بالصراخ أو الإهانة أو التجاهل، يدفعها دفعاً نحو خانة الدفاع والتصلب.
احمِ أنوثة زوجتك: كن أنت السكن والأمان، واستوعب غضبها بلين وإنصات، وتذكر أن قدرتك على احتواء مشاعرها هي أصل رجولتك، فلا تدفعها لارتداء درع الندّية والجفاف.
خاتمة
حين يهدأ الصوت، تعود العقول للحكمة، وتعود للبيت هيبته وسكينته، وتتلاشى عبارات “الزمالة والندّية” ليعود البيت إلى أصله الفطري السليم: سكناً، ومودةً، ورحمة.
للتواصل : [email protected]



