محبة الناس.. والقبول من الله

✍️ د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
تناقلت مواقع التواصل خلال الأيام الماضية خبر وعكة صحية ألمّت بإحدى الشخصيات الاجتماعية المعروفة، لكن الذي استوقفني لم يكن الخبر في ذاته؛ فالمرض عارضٌ إنساني لا يكاد يسلم منه أحد، وإنما استوقفتني تلك الموجة العفوية من الدعاء والمشاعر الصادقة التي أحاطت بصاحب الخبر من كل جانب.
كنت أقرأ دعوات الناس له، ثم أسمعها في المجالس والأحاديث العابرة، فأجد الاسم يتردد مقرونًا بالدعاء والذكر الحسن. والأكثر لفتًا للنظر أن كثيرًا ممن تحدثوا عنه ليسوا من قبيلته، ولا ممن تقع عليهم مشيخته، بل من قبائل ومناطق مختلفة، ومن خارج قبيلته ومنطقته، وربما كان بينهم من لم يلتقِ به يومًا.
وهنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي يجعل رجلاً يحضر بهذه الصورة في قلوب أناس لا تجمعهم به قرابة ولا مصلحة، ولا يعرفه بعضهم إلا بما تناقلوه عنه من مواقف وسيرة؟
إنها تلك المساحة التي لا يصنعها الإعلام، ولا تفرضها الألقاب، ولا تمنحها كثرة الظهور؛ مساحة القبول التي تستقر في القلوب من غير موعد، وتنتقل بين الناس من غير إعلان.
أما الشخصية التي تناقلت الأخبار مرضها وأحاطتها هذه المشاعر، فهو الشيخ مناحي بن مترك بن شفلوت.
وحين رأيت ما أحاط به من محبة، عاد بي الذهن إلى عمه الشيخ محمد بن ذيب بن شفلوت -رحمه الله-؛ ذلك الرجل الذي، على الرغم من قِصر مدة مشيخته، غمر حبه قلوب الناس، وبقي ذكره الطيب حاضرًا بينهم بعد رحيله. وكأن المشهد يعيد نفسه بصورة أخرى، ليؤكد أن بعض البيوت لا تورث أبناءها الاسم فحسب، بل تورثهم رصيدًا من القيم والمواقف وحسن الصلة بالناس.
عندها أيقنت من جديد أن القبول هبة من الله، وأن محبة الناس لا تُشترى ولا تُصنع.
قد تصنع كثرة الظهور في وسائل التواصل شهرةً، وقد تحقق المقاطع والسنابات والحالات والتغطيات الإعلامية انتشارًا واسعًا، وقد تُنفق الأموال ويُستعان بالإعلاميين لصناعة حضور لافت؛ لكن ذلك كله يستطيع أن يصنع انتشارًا، ولا يستطيع أن يزرع محبة صادقة في القلوب.
فالقبول من الله، ومحبة الخلق من الله، وهي ثمرة لا تنبت -فيما نحسب- إلا في أرض طيبة: طهارة نفس، وصدق سريرة، وبذل للندى، وبعد عن الردى، وطيب معاملة، وكسب حلال.
والشيخ مناحي امتداد لبيت له مكانته في تاريخ قحطان؛ فهو من ذرية الشيخ الفارس مترك بن شفلوت، الذي ارتبط اسمه بالمواقف والبذل، وخدمة دينه، والوفاء لقيادته ووطنه.
وهذه القيم في الوفاء للدين والقيادة والوطن ليست طارئة في تاريخ هذه البلاد ورجالها، بل تضرب جذورها عميقًا في المجتمع، وتكشف الوثائق التاريخية عن امتدادها المبكر في قبائل المنطقة.
وهنا أستذكر وثيقة تاريخية مؤرخة سنة 1328هـ، سبق أن تناولتها بالدراسة في رسالتي للدكتوراه «جوانب من الحياة الاجتماعية في بادية منطقة عسير في عهد الملك عبدالعزيز»، وكانت قد نُشرت من قبل لدى الأستاذ محمد النهاري -رحمه الله-، بعد أن زوّده بها الدكتور راشد بن محمد العساكر.
وهي رسالة بعث بها الشيخ عبدالله بن محمد بن راشد إلى الإمام عبدالرحمن الفيصل، يبشره فيها بما وجده من أهل تثليث وأهل الصبيخة من رسوخ السمع والطاعة لولي الأمر واستعدادهم للبذل في سبيل ذلك، ثم أشار إلى أن عربان الجنوب وقراه ممن دون عسير كانوا مقبلين على الخير وطاعة ولي الأمر.
وتكشف هذه الوثيقة جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقة التي جمعت إنسان هذه البلاد بقيادته، وما عرفته بادية شرق عسير وقبائل الجنوب من قيم الوفاء والنخوة والقيام بالواجب، وهي قيم لم تبق حبيسة الأوراق، بل انتقلت في البيوت والأسر جيلاً بعد جيل، وظهرت في الرجال ومواقفهم وعلاقاتهم بمجتمعاتهم.
ومن هذا الامتداد الاجتماعي والتاريخي يمكن فهم سر تلك المحبة التي رأيتها تحيط بالشيخ مناحي بن مترك بن شفلوت؛ فهناك رجال لا يصنع حضورهم الإعلام، وإنما تصنعه المواقف، وتحفظه الذاكرة، وتودعه الأيام في قلوب الناس.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يمنّ على الشيخ مناحي بن مترك بن شفلوت بالشفاء التام والعافية الدائمة، وأن يلبسه لباس الصحة والسلامة، ويقر به أعين أهله ومحبيه، وأن يديم على مجتمعنا ما عُرف به من الوفاء، وحفظ الجميل، وتقدير أهل المواقف والخصال الكريمة.
فالشهرة قد يسعى الإنسان إلى تحقيقها، أما المحبة والقبول فهبةٌ من الله وحده.



